باب الآمال الخضر
عادل الجوراني
( حين يصمت التمثال،
ثمة خلل
تجسد فيه ،
أو خيم عليه ،
فانفتحت نوافذ التأويل . )
تبدأ الرحلة مع أمير الحلاج والمجموعة الشعرية ( حين يصمت التمثال ) والصادرة عن دار السرد للطباعة والنشر والتوزيع _ العراق _ بغداد _ شارع المتنبي ، ( بلعبة التوازن ) انه يستحضر الميزان وبدلا" من فئات الوزن المعتادة والبحث في تفاصيل الكمية فأنما هو يبحث عن ( نقاء الصورة ) .
انه يطيل النظر إلى الكفة الأولى السوداء ثم الكفة الثانية البيضاء ، يبحث عن العدالة والاستواء ، يطيل النظر لعله يكشف بعض الأمور التي تنتزع الأقنعة من تلك الوجوه ولتبقى سلطة الشك في ميزان الحيرة التي أصابها ( التحجر ) ولم تعد الملامح البريئة تتحدث عنها بصورة عفوية .
ربما _ في تصوره _ يعتبر اختبار دقيق للغاية ، هذه ( العيون ) الموضوعة في ( دائرة الاحتواء ) مهمتها الأساسية هي النظر المطول ( باجفان ) متعبة للبحث عن حالات ( النفس ) .
نحن نقضي حياتنا بطولها وعرضها مع ( كفتي الميزان ) ، بعد عبورنا لمرحلة الطفولة ننصدم بواقعنا المعاش ، نحن مع الصورة المثلى والأعلى ولكن حينما يتوغل التناقض في ذاتنا نخسر تلك المرآة الصافية وربما كثرة الخدوش فيها تحيلنا إلى الرؤيا الضبابية أو انعدام الرؤيا أو الابتعاد والرضى بالصمت و بالخلوة والسكينة مع الذات ، نحن دائمآ نبحث عن رد الاعتبار ونجاهد النفس قدر المستطاع ولكن في حالات كثيرة نكون أمام العجز الذي يضعف رغباتنا الدفاعية ، حينما نتعرض للخيانة والغدر ، حينما نهرب من عالم يعترف بالاقوى ويتجاهل الضعيف لذلك ربما نفضل الانسحاب والهروب .
انه الهروب ، في عالم يحكمه ( التحجر ) هناك حيث تكثر في عالمنا المعاش ( المطبات ) وتذهب بأناقة ( الطرقات ) نحن دائما" ما نبحث عن الأسباب لكن دون جدوى لذلك تبقى ( صدورنا ) في ضيق وحرج ونبحث عن تفسير واضح ونبتغي الحلول لمشاكلنا المتشابكة ، في كل الأحوال نحن نوسع دائرة البحث وكلنا أمل بإيجاد ( مفتاح ) لهذه المعوقات التي تواجهنا والتي هي كأنما الحجر المتحجر الذي يقف ويحول بيننا وبين ما نصبو إليه .
يقول في ذلك :_
أمام كفتي الميزان ،
العيون المزروعة
في دائرة الاحتواء ،
تبحلق
* *
هل ثمة تعليل
يشرح الصدور ،
ويفسر هول الواقعة ؟
هل ثمة مفتاح ،
أمام الجدران الصامدة ،
* *
يحدث في هذه المناورات ،
ما لاتدركه الرؤى ،
لكن العيون الحانيات
تبقى أمام كفتي الميزان ،
لحسم نقاء الصورة
تدرك لعبة التوازن .
* * *
لا اعتراض على الأبيض المتخبيء
أو ضد ،
لنحاكم الأيام ،
والركون إلى الصمت ،
* * *
انه يقترح بما اسماه ( قانون الحلبة ) وسبب تشريع هكذا ( مدونة ) يعود _ حسب طرحه _ إلى كثرة الآراء المتضاربة والمختلفة والرغبة في محو السيرة الضعيفة و( امتلاك البوابة الوحيدة ) والسعي إلى( المرتبة الأولى ) ، انه يعتبر ذلك من موجبات ( العدل ) ، أننا لا نستطيع التكهن _ في كل الأحوال _ بما يقصده ، لقد جمع بين ( النزال ) وهذا لا يحتاج _ في الأحوال عامة_ إلى العقل وإنما إلى القوة وبين ( الحكمة ) التي هي أساس العلم بحقائق الاشياء .
ربما تأخذنا كلمة ( النزال ) الذي يفتعل بدون اسباب حقيقية إلى النزول لدرجة الحيوان وربما أكثر اذ انتهج الإنسان سبيل الضلالة وفي هذه الحالة ، حق الرد مكفول للحيوان .
يقول في ذلك :_
لابد من حكم ،
حين تحتدم الآراء ،
يدير النزال .
هكذا الحلبة
تفرض قانونها ،
وهكذا العدل
* * *
نعود _ مرة أخرى _ إلى الميزان ، هنا نضع في ( كفتي الميزان ) الأمس والغد ، ( نرقص ) ونغني للحقيقة المعتقدة في دواخلنا ، نحن بين امس ذهب ولن يعود ، نحمل على اكتافنا ذكرياته المؤلمة والمفرحة ويوم نخوض في ساعاته الحاضرة وبين غد نجهل ما فيه ولكننا نتأمل منه الخير والبركة والنماء ونتمنى فيه إصلاح الأخطاء المترتبة من الزمن الماضي ، جاء في الأثر ( الأمس موعظة ، واليوم غنيمة ، وغد لا تدري من اهله ) ، نحن نترك كل ذلك للعيون التي تراقب كفة الميزان الأولى وهي الأمس وكفة الميزان الثانية وهي الغد ، نترقب بحذر لتسجل لنا التفاصيل في ( صمتها المعهود ) .
يقول في ذلك :_
فنبقى نقارن ،
بين امس مضى ،
وغد يجيء ،
نرقص بأكف تغنت بالصواب ،
* * *
وهو ينظر إلى ذلك ( الاطار ) الفارغ من ما يحتويه ويسأل على مدى سنوات طوال وهو ( يطيل التأمل ) عن هذا التواصل الغريب بين ( الاطار ) و ( الجدار ) ، كان بالإمكان _ وبسهولة مفرطة _ ان ينتزع هذه الأضلاع الأربعة وترمي في الحاوية أو في مكان آخر ولكنه ابقى ( العيون ) تراقب هذه العلاقة ، يقول الإمام علي بن أبي طالب ( الوفاء تؤام الصدق ولا أعلم جنه أوفى منه ) ، نحن نتخيل مع هذا ( التأمل ) صورة الوفاء المتستر تحت هذه ( الجدوى ) وربما أراد أن يقول بأن الطريق أو الصديق الذي يحمل همومك ويلتزم بالعهد يحتاج إلى تأمل أطول لصقل تلك العلاقة مع مرور الزمن .
يقول في ذلك :_
في الاطار الخالي من الصورة ،
منذ سنين أطيل التأمل ،
وأسأله عن جدوى ملازمة الجدار .
* *
ساعيد الحسابات
في كل شيء ،
في الطريق الذي
كل يوم ،
القي عليه التحية .
في الاصدقاء الذين
تعجز أكفهم
ان تمارس المصافحة .
* * *
هناك مسرح للدمى وهناك مسرح أكبر ، الا وهو مسرح الحياة وتلك الخيوط التي تتحكم فينا ، هذا العرض سيستمر حتى انتهاء الحفل ، بين الحين والآخر تتغير أدوارنا ، نرهق عقولنا وأجسادنا ثم نبتغي _ ذات حين _ الإستراحة ، ننشغل بعيوب الآخرين وعيوبنا ، نتفاعل مع الوجود والغياب ، نقطع المساحات الخضراء وكذلك الجدب والصحراء ، نعيش الوهم والرغبة والاحتضان ، نخضع لسلطة القطيع ، نتمسك ببعض الخيوط الرقيقة ونترك الخيوط الأخرى مع السراب .
ومع الهواء الذي يفتح لنا ( الباب ) هناك ( الأمل الأخضر ) الذي نرغب فيه حتى ( انتهاء العرض ) .
يقول في ذلك :_
في المسرح
يبدأ العرض ، فتتراقص الخيوط ،
لتتحرك الدمى .
ينتهي العرض ،
* *
فماذا بعد ؟
الهواء الذي يفتح لك الباب ،
ينتظر انتهاء العرض ،
وكل مستنشق
يأمل بسلم
يطيل قدمي المدفوع للتتويج .
* * *
انه يعارض هذا الفعل ، بل يراه غير لائق ، يعارض فعله مع اي عابر سبيل أو مسؤول كبير ، انه يرفض وبشده هذا ( الوجه المتلون ) المتصنع للابتسامات العريضة والضحكات المزيفة ، ( المرائي ) هذا الشخص الذي اتقن لعبة اللغة واستطاع نظم الشعر ودرس ( المديح والهجاء ) ينحني ويخضع لمن لديه نفوذ ، همس في أذني _ ذات مرة _ صديق لنا وهو أستاذنا قال ؛_
_ هذا الذي تراه يعيد الأمر مرارا" وتكرارا" والورقة التي يحملها لا تتغير ، تبقى هي ذات الورقة ولكنه يغير اسم الممدوح فقط .
تراه ، يعجبك شكله والوقار ، لكن حينما يطيل زاوية فمه تحتقر فعله في المدح المذموم وترغب في ذر التراب على هيكله الحجري .
يقول في ذلك :_
فليس لائقا"
ان تستطيل زاويتا فمك أمام كل من تلاقيه ،
مثل التمثال ،
ومثل الورقة المستنسخة .
* *
ونعود كذلك _ مرة أخرى _ إلى الميزان ولكن _ هذه المرة _
نضع في( كفتي الميزان ) الفرح والحزن ، من خلال نقطة ( الغروب ) ، ربما تراودنا الحقائق والأوهام بأننا كلما تقدمنا في العمر ، كان الجفاف مصيرنا ، إنها تلك السنوات الماضية وهذه السنوات القادمة تحمل بين طياتها الفرح الذي يتدفق مع هرمونات السعادة كالأندروفين والذي لا يدوم والحزن الذي يكتمه سواد الليل .
يقول روبندرونات طاغور ( شاعر الهند ) :_
( نحن لا نقدر الفرح الا اذا لامسنا طرفا" من الحزن ) .
نبقى نلفظ السؤال الذي يبتلع ( كل الأجوبة ) نبقى نقارن بين الفرح الذي حصدناه ونحصده وبين الحزن الذي تلبس في خطواتنا وتوغل في النفس والذات .
يقول في ذلك :_
آه ما أيبس العمر ،
ان تعود إلى الغروب !
وتبقى توازن
بين فرح كنت تحصده ،
أو نقيض تشبث في خطاك .
* *
هذا سؤال
يلفظ كل الأجوبة ،
ويشيح بعينيه
إلى الليل الكاتم كل التفاصيل .
* * *
انه يرفض أن ينحني ، مع انه جاء في الأثر انهم يقولون بأنه عليك الا تكون ( يابسا" فتكسر ) انه يرغب في الذهاب إلى الفرصة وليس ممن ينتظر قدومها ، أنه يؤمن بأن الفرص لا تأتي دائما" لذلك فهو يحاول استغلالها والوثوب عليها ، انه متعطش لبلوغها وكأنما هو ذلك الذي يسعى لجمع الماء وهو في حالة الظمأ في كفيه فيتسرب الماء ولكنه يباغته بالشرب السريع ، انه يحاول جمع ( الضوء الهارب ) المتشتت من حزمة الوقت .
يقول في ذلك :_
لاتركن إلى الانحناء
فالتوثب مفتاح
من ملامسته
لا تمل الأكف الظمآى
ان تستقطب الضوء الهارب من حزمة الأوان .
* * *
في خطوة أخيرة ، يعترف بعدم توازن ( كفتي الميزان ) ، هذه ( النقائض ) في سيرة الحياة الخارجة من رحم التشكل والأشكال ، ولكن المهم لديه ( أن تبقى ) تحاول وتكرر المحاولة ، تحاول ان تبث الأمل في العهد القادم ، العهد الجديد .
يقول في ذلك :_
فلا تستوي كفتا الميزان ،
فالميزة المولودة الآن
الخارجة من رحم النقاء ،
الساعية إلى انبات النقائض ،
* *
ما يهم
ان تبقى في كفيك دفة المناورة ،
ويبقى في الروح التطلع ،
لما بعد الشروق الجديد ،
في نهاية الرحلة ، يطوي الصفحات ويتأمل ويعيد ( قراءة ما تم تدوينه ) ثم يحفظها في مستودع ( الذكريات ) ولديه أن الأيام تسير اذ ان الزمن لن يتوقف مهما حدث ومهما كان ، انه بحاجة ملحة إلى السر الذي يمتلكه الحداد والى ذلك ( تكثر الدعوات ) .
يقول في ذلك :_
بعد أن تطوى صفحة المناسبة ،
في بطاقات التهنئة أتأمل ،
واعيد قراءة ما تم تدوينه ،
ثم ارزمها في خزانة الذكريات .
* *
هكذا
هكذا
هكذا ،
تتواصل الأيام ،
والى مفتاح الحداد .
تكثر الدعوات