الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
باب الآمال الخضر


باب الآمال الخضر

عادل الجوراني

 

                                           ( حين يصمت التمثال،

                                              ثمة خلل

                                              تجسد فيه ،

                                              أو خيم عليه ،

                                              فانفتحت نوافذ التأويل . )

    تبدأ الرحلة مع أمير الحلاج والمجموعة الشعرية ( حين يصمت التمثال ) والصادرة عن دار السرد للطباعة والنشر والتوزيع _ العراق _ بغداد _ شارع المتنبي ، ( بلعبة التوازن ) انه يستحضر الميزان وبدلا" من فئات الوزن المعتادة والبحث في تفاصيل الكمية فأنما هو يبحث عن ( نقاء الصورة ) .

    انه يطيل النظر إلى الكفة الأولى السوداء ثم الكفة الثانية البيضاء ، يبحث عن العدالة والاستواء ، يطيل النظر لعله يكشف بعض الأمور التي تنتزع الأقنعة من تلك الوجوه ولتبقى سلطة الشك في ميزان الحيرة التي أصابها ( التحجر ) ولم تعد الملامح البريئة تتحدث عنها بصورة عفوية .

    ربما _ في تصوره _ يعتبر اختبار دقيق للغاية ، هذه ( العيون ) الموضوعة في ( دائرة الاحتواء ) مهمتها الأساسية  هي النظر المطول ( باجفان ) متعبة للبحث عن حالات ( النفس ) .

    نحن نقضي حياتنا بطولها وعرضها مع ( كفتي الميزان ) ، بعد عبورنا لمرحلة الطفولة ننصدم بواقعنا المعاش ، نحن مع الصورة المثلى والأعلى ولكن حينما يتوغل التناقض في ذاتنا نخسر تلك المرآة الصافية وربما كثرة الخدوش فيها تحيلنا إلى الرؤيا الضبابية أو انعدام الرؤيا أو الابتعاد والرضى بالصمت و بالخلوة والسكينة مع الذات ، نحن دائمآ نبحث عن رد الاعتبار ونجاهد النفس قدر المستطاع ولكن في حالات كثيرة نكون أمام العجز الذي يضعف رغباتنا الدفاعية ، حينما نتعرض للخيانة والغدر ، حينما نهرب من عالم يعترف بالاقوى  ويتجاهل الضعيف لذلك ربما نفضل الانسحاب والهروب .

    انه الهروب ، في عالم يحكمه ( التحجر ) هناك حيث تكثر في عالمنا المعاش ( المطبات ) وتذهب بأناقة ( الطرقات ) نحن دائما" ما نبحث عن الأسباب لكن دون جدوى لذلك تبقى ( صدورنا ) في ضيق وحرج ونبحث عن تفسير واضح ونبتغي الحلول لمشاكلنا المتشابكة ، في كل الأحوال نحن نوسع دائرة البحث وكلنا أمل بإيجاد ( مفتاح ) لهذه المعوقات  التي تواجهنا والتي هي كأنما الحجر المتحجر الذي يقف ويحول بيننا وبين ما نصبو إليه .

    يقول في ذلك :_

    أمام كفتي الميزان ،

    العيون المزروعة

    في دائرة الاحتواء ،

    تبحلق

                   *   *

    هل ثمة تعليل

    يشرح الصدور ،

    ويفسر هول الواقعة ؟

    هل ثمة مفتاح ،

    أمام الجدران الصامدة ،

                 *   *

    يحدث في هذه المناورات ،

    ما لاتدركه الرؤى ،

    لكن العيون الحانيات

    تبقى أمام كفتي الميزان ،

    لحسم نقاء الصورة

    تدرك لعبة التوازن .

              *   *    *

    لا اعتراض على الأبيض المتخبيء

    أو ضد ،

    لنحاكم الأيام ،

    والركون إلى الصمت ،

              *    *   *

    انه يقترح بما اسماه ( قانون الحلبة ) وسبب تشريع هكذا ( مدونة ) يعود _ حسب طرحه _ إلى كثرة الآراء المتضاربة والمختلفة والرغبة في محو السيرة الضعيفة و( امتلاك البوابة الوحيدة ) والسعي إلى( المرتبة الأولى ) ، انه يعتبر ذلك من موجبات ( العدل ) ، أننا لا نستطيع التكهن _ في كل الأحوال _ بما يقصده ، لقد جمع بين ( النزال ) وهذا لا يحتاج _ في الأحوال عامة_ إلى العقل وإنما إلى القوة وبين ( الحكمة ) التي هي أساس العلم بحقائق الاشياء .

    ربما تأخذنا كلمة ( النزال ) الذي يفتعل بدون اسباب حقيقية إلى النزول لدرجة الحيوان وربما أكثر اذ انتهج الإنسان سبيل الضلالة وفي هذه الحالة ، حق الرد مكفول للحيوان .

    يقول في ذلك  :_

    لابد من حكم ،

    حين تحتدم الآراء ،

    يدير النزال .

    هكذا الحلبة

    تفرض قانونها ،

    وهكذا العدل

               *    *   *

    نعود _ مرة أخرى _ إلى الميزان ، هنا نضع في ( كفتي الميزان ) الأمس والغد ، ( نرقص ) ونغني للحقيقة المعتقدة في دواخلنا ، نحن بين امس ذهب ولن يعود ، نحمل على اكتافنا ذكرياته المؤلمة والمفرحة ويوم نخوض في ساعاته الحاضرة وبين غد نجهل ما فيه ولكننا نتأمل منه الخير والبركة والنماء ونتمنى فيه إصلاح الأخطاء المترتبة من الزمن الماضي ، جاء في الأثر ( الأمس موعظة ، واليوم غنيمة ، وغد لا تدري من اهله ) ، نحن نترك كل ذلك للعيون التي تراقب كفة الميزان الأولى وهي الأمس وكفة الميزان الثانية وهي الغد ، نترقب بحذر لتسجل لنا التفاصيل في ( صمتها المعهود ) .

    يقول في ذلك :_

    فنبقى نقارن ،

    بين امس مضى ،

    وغد يجيء ،

    نرقص بأكف تغنت بالصواب ،

                        *   *   *

    وهو ينظر إلى ذلك ( الاطار ) الفارغ من ما يحتويه ويسأل على مدى سنوات طوال وهو ( يطيل التأمل ) عن هذا التواصل الغريب بين ( الاطار ) و ( الجدار ) ، كان بالإمكان _ وبسهولة مفرطة _ ان ينتزع هذه الأضلاع الأربعة وترمي في الحاوية أو في مكان آخر ولكنه ابقى ( العيون ) تراقب هذه العلاقة ، يقول الإمام علي بن أبي طالب ( الوفاء تؤام الصدق ولا أعلم جنه أوفى منه ) ، نحن نتخيل مع هذا ( التأمل ) صورة الوفاء المتستر تحت هذه ( الجدوى ) وربما أراد أن يقول بأن الطريق أو الصديق الذي يحمل همومك ويلتزم بالعهد يحتاج إلى تأمل أطول لصقل تلك العلاقة مع مرور الزمن .

    يقول في ذلك :_

    في الاطار الخالي من الصورة ،

    منذ سنين أطيل التأمل ،

    وأسأله عن جدوى ملازمة الجدار .

                  *   *

    ساعيد الحسابات

    في كل شيء ،

    في الطريق الذي

    كل يوم ،

    القي عليه التحية .

    في الاصدقاء الذين

    تعجز أكفهم

    ان تمارس المصافحة .

                   *   *   *

    هناك مسرح للدمى وهناك مسرح أكبر ، الا وهو مسرح الحياة وتلك الخيوط التي تتحكم فينا ، هذا العرض سيستمر حتى انتهاء الحفل ، بين الحين والآخر تتغير أدوارنا ، نرهق عقولنا وأجسادنا ثم نبتغي _ ذات حين _ الإستراحة ، ننشغل بعيوب الآخرين وعيوبنا ، نتفاعل مع الوجود والغياب ، نقطع المساحات الخضراء وكذلك الجدب والصحراء ، نعيش الوهم والرغبة والاحتضان ، نخضع لسلطة القطيع ، نتمسك ببعض الخيوط الرقيقة ونترك الخيوط الأخرى مع السراب .

    ومع الهواء الذي يفتح لنا ( الباب ) هناك ( الأمل الأخضر ) الذي نرغب فيه حتى ( انتهاء العرض ) .

    يقول في ذلك :_

    في المسرح

    يبدأ العرض ، فتتراقص الخيوط ،

     لتتحرك الدمى .

    ينتهي العرض ،

                 *   *

    فماذا بعد ؟

    الهواء الذي يفتح لك الباب ،

    ينتظر انتهاء العرض ،

    وكل مستنشق

    يأمل بسلم

    يطيل قدمي المدفوع للتتويج .

                          *   *   *

    انه يعارض هذا الفعل ، بل يراه غير لائق ، يعارض فعله مع اي عابر سبيل أو مسؤول كبير ، انه يرفض وبشده هذا ( الوجه المتلون ) المتصنع للابتسامات العريضة والضحكات المزيفة ، ( المرائي ) هذا الشخص الذي اتقن لعبة اللغة واستطاع نظم الشعر ودرس ( المديح والهجاء ) ينحني ويخضع لمن لديه نفوذ ، همس في أذني _ ذات مرة _ صديق لنا وهو أستاذنا قال ؛_

    _ هذا الذي تراه يعيد الأمر مرارا" وتكرارا" والورقة التي يحملها لا تتغير ، تبقى هي ذات الورقة ولكنه يغير اسم الممدوح فقط .

    تراه ، يعجبك شكله والوقار ، لكن حينما يطيل زاوية فمه تحتقر فعله في المدح المذموم وترغب في ذر التراب على هيكله الحجري .

    يقول في ذلك :_

    فليس لائقا"

    ان تستطيل زاويتا فمك أمام كل من تلاقيه ،

    مثل التمثال ،

    ومثل الورقة المستنسخة .

                             *   *  

   ونعود كذلك _ مرة أخرى _ إلى الميزان ولكن _ هذه المرة _

    نضع في( كفتي الميزان ) الفرح والحزن ، من خلال نقطة ( الغروب ) ، ربما تراودنا الحقائق والأوهام بأننا كلما تقدمنا في العمر ، كان الجفاف مصيرنا ، إنها تلك السنوات الماضية وهذه السنوات القادمة تحمل بين طياتها الفرح الذي يتدفق مع هرمونات السعادة كالأندروفين والذي لا يدوم والحزن الذي يكتمه سواد الليل .

    يقول روبندرونات طاغور ( شاعر الهند ) :_

    ( نحن لا نقدر الفرح الا اذا لامسنا طرفا" من الحزن ) .

    نبقى نلفظ السؤال الذي يبتلع ( كل الأجوبة ) نبقى نقارن بين الفرح الذي حصدناه ونحصده وبين الحزن الذي تلبس في خطواتنا وتوغل في النفس والذات .

    يقول في ذلك :_

    آه ما أيبس العمر ،

    ان تعود إلى الغروب !

    وتبقى توازن

    بين فرح كنت تحصده ،

    أو نقيض تشبث في خطاك .

                 *   *

    هذا سؤال

    يلفظ كل الأجوبة ،

    ويشيح بعينيه

    إلى الليل الكاتم كل التفاصيل .

                *   *   *

    انه يرفض أن ينحني ، مع انه جاء في الأثر انهم يقولون بأنه عليك الا تكون ( يابسا" فتكسر ) انه يرغب في الذهاب إلى الفرصة وليس ممن ينتظر قدومها ، أنه يؤمن بأن الفرص لا تأتي دائما" لذلك فهو يحاول استغلالها والوثوب عليها ، انه متعطش لبلوغها وكأنما هو ذلك الذي يسعى لجمع الماء وهو في حالة الظمأ في كفيه فيتسرب الماء ولكنه يباغته بالشرب السريع ، انه يحاول جمع ( الضوء الهارب ) المتشتت من حزمة الوقت .

    يقول في ذلك :_

    لاتركن إلى الانحناء

    فالتوثب مفتاح

    من ملامسته

    لا تمل الأكف الظمآى

    ان تستقطب الضوء الهارب من حزمة الأوان .

                               *   *   *

    في خطوة أخيرة ، يعترف بعدم توازن ( كفتي الميزان ) ، هذه ( النقائض ) في سيرة الحياة الخارجة من رحم التشكل والأشكال ، ولكن المهم لديه ( أن تبقى ) تحاول وتكرر المحاولة ، تحاول ان تبث الأمل في العهد القادم ، العهد الجديد .

    يقول في ذلك :_

    فلا تستوي كفتا الميزان ،

    فالميزة المولودة الآن

    الخارجة من رحم النقاء ،

    الساعية إلى انبات النقائض ،

                    *    *

    ما يهم

    ان تبقى في كفيك دفة المناورة ،

    ويبقى في الروح التطلع ،

    لما بعد الشروق الجديد ،

 

    في نهاية الرحلة ، يطوي الصفحات ويتأمل ويعيد ( قراءة ما تم تدوينه ) ثم يحفظها في مستودع ( الذكريات ) ولديه أن الأيام تسير اذ ان الزمن لن يتوقف مهما حدث ومهما كان ، انه بحاجة ملحة إلى السر الذي يمتلكه الحداد والى ذلك ( تكثر الدعوات ) .

    يقول في ذلك :_

    بعد أن تطوى صفحة المناسبة ،

    في بطاقات التهنئة أتأمل ،

    واعيد قراءة ما تم تدوينه ،

    ثم ارزمها في خزانة الذكريات .

               *   *

    هكذا

    هكذا

    هكذا  ،

    تتواصل الأيام  ،

    والى مفتاح الحداد .

    تكثر الدعوات

 


مشاهدات 34
الكاتب عادل الجوراني
أضيف 2026/07/13 - 3:36 PM
آخر تحديث 2026/07/14 - 2:36 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 198 الشهر 14169 الكلي 15919296
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/7/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير