الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قراءة نقديّة في كتاب الروحانية

بواسطة azzaman

قراءة نقديّة في كتاب الروحانية

نجمة الزهرة لأوزبكستان الجديدة

 

شكر الله عمروف

 

مقدمة: الأهمية الاستثنائية للكتاب في سياق التحولات المعاصرة

تمر الأمم والشعوب في مسيرتها الحضارية بمراحل مفصلية تشتد فيها الحاجة إلى مؤلفات فكرية وفلسفية تؤصل للهوية الوطنية، وتستخلص العبر من الذاكرة التاريخية، وترسم معالم المستقبل؛ مؤلفات تكون بمثابة مشاعل تضيء دروب الفكر الإنساني والوطني وتنتقل بالوعي الجمعي إلى آفاق أرحب. ويؤكد لنا التاريخ البشري، بجلاء، أنه لا يمكن لأي مجتمع أن يحقق نهضة حقيقية أو طفرة حضارية مستدامة دون يقظة روحية، وأطر استراتيجية واضحة، ورؤية وطنية جامعة تتجاوز التحديات الراهنة.

في عصرنا الحالي الذي يتسم بالعولمة المتسارعة، والحروب السيبرانية والمعلوماتية الموجهة، والتحولات الجيوسياسية المعقدة، تكتسب المبادرات الفكرية والكتب الصادرة في هذا الشأن أهمية بالغة للشعب الأوزبكي؛ إذ لا تشكل مجرد جسر معنوي يربط بين الماضي المجيد والحاضر المتجدد فحسب، بل تعد بمثابة خارطة طريق استراتيجية لوضع اللبنات الأساسية لـ «النهضة الشرقية الثالثة» (الأطروحة الحضارية التي يقودها الرئيس شوكت ميرضيائيف).

تتجلى الأهمية الكبرى والأبعاد العميقة لكتاب الباحث والإعلامي العراقي البارز الأستاذ أحمد جاسم الزبيدي، الموسوم بـ «الروحانية – نجمة الزهرة لأوزبكستان الجديدة: الإسلام – فلسفة الإنسانية  والمعرفة و التنوير» (والذي صدر باللغتين العربية والأوزبكية)، في أنه لم يقف عند حدود السرد النظري الجاف لأسس بناء الدولة الوطنية، ولم يتناول الطاقات الكامنة للشعب الأوزبكي كقضايا مجردة، بل صاغها بأسلوب فلسفي، علمي، وواقعي رصين يتسم بالعمق والدقة ولامركزية الطرح. إن هذا الأثر العلمي يمتلك ميزة استثنائية تجعله موجهاً لكافة شرائح المجتمع ونخبه؛ من الأكاديميين والباحثين إلى العمال، ومن الشباب الطامح إلى جيل الشيوخ الحكماء. وبصفتي باخثاً ومؤرخاً، أستطيع القول إن كل من يطالع صفحات هذا الكتاب يستشعر في وجدانه عمق المسؤولية التاريخية والمشاركة الوجدانية في صياغة مصير الوطن والمنطقة.

ركائز مفاهيمية

أولاً: الأطر المفاهيمية والأفكار العليا التي يطرحها الكتاب

يستند المحتوى الفكري والروحي للكتاب إلى عدة ركائز مفاهيمية كبرى تشكل الأعمدة الهيكلية لأوزبكستان الحديثة. هذه الأفكار لا تقف عند حدود الشعارات البلاغية، بل هي عقيدة عمل استراتيجية تترجم بشكل منهجي في عمق الواقع المعاش:

1. «من أجل كرامة الإنسان» – المعيار الأسمى لبناء الدولة

تتمحور الفكرة المحورية للكتاب حول إعلاء قيمة الإنسان، وحماية حقوقه، وصون حرياته، ورعاية مصالحه المشروعة فوق كل اعتبار آخر. يحلل المؤلف ببراعة فلسفة تحول دور مؤسسات الدولة نحو خدمة الشعب تفعيلاً للرؤية السياسية الجديدة. فالكتاب يوضح كيف تحولت الدبلوماسية والإدارة الداخلية من النموذج التقليدي القائم على تراتبية «الدولة – المجتمع – الإنسان» إلى النموذج الإنساني الحديث القائم على تراتبية «الإنسان – المجتمع – الدولة»، وهو ما يمثل جوهر الفلسفة السياسية في أوزبكستان الجديدة.

2. النهضة الثالثة – المستهدف الاستراتيجي للأمة

يدعو المؤلف المجتمع الأوزبكي - من خلال عدسة التقييم الخارجي المنصف - إلى عدم الاكتفاء بالافتخار والاعتزاز بإنجازات العصرين الذهبيين السابقين (النهضة الشرقية الأولى والثانية في العصور الوسطى)، بل البناء على ذلك الإرث العظيم وتوظيفه لبناء «النهضة الثالثة». وتتأسس هذه الرؤية على التلاحم والانسجام التام بين أربعة عناصر: التعليم، العلم، الابتكار، والمنظومة القيمية والروحية (الماكرو-روحانية).

3. ترسيخ العدالة الاجتماعية وسيادة القانون

يؤكد الكتاب على الحقيقة التاريخية بأنه لا يمكن لأي دولة أن تحقق نمواً مستداماً في غياب بيئة قانونية عادلة. ويسلط الضوء على الإجراءات الحاسمة المتخذة في مكافحة الفساد، وضمان استقلالية القضاء، واعتماد سياسة الشفافية والانفتاح كشروط موضوعية وإلزامية لتحقيق النهضة الوطنية الشاملة.

ثانياً: الرؤى الفلسفية المعمقة والملاحظات الاستراتيجية للمؤلف

تتميز رؤى وتحليلات الأستاذ أحمد جاسم الزبيدي الواردة في طيات الكتاب بالابتعاد التام عن السرد الوصفي التقليدي أو الاكتفاء برصد الإحصاءات والأرقام الجافة؛ بل ينفذ مباشرة إلى جوهر التحولات المجتمعية. وفي سياق رصده لأكثر القضايا إلحاحاً وحيوية، يستشهد المؤلف بمقولات مفصلية لفخامة الرئيس الأوزبكي شوكت ميرضيائيف، تعكس فلسفة القرب من الجماهير:

مكاتب فوقية

«إن شعبنا ينتظر منا اليوم تغييرات جذرية وملموسة. وواجبنا ألا نؤجل هذه الاستحقاقات إلى الغد، بل نحن ملزمون بضمان إحداث نقلة نوعية وإيجابية في حياة مواطنينا اليوم. إن حل المشكلات لا يتم عبر المكاتب الفوقية، بل بالنزول إلى القواعد، والاندماج في أوساط الشعب، والوقوف على تطلعاته الحقيقية».

كما تحظى قراءات المؤلف المتعلقة بقطاع التعليم بأهمية استثنائية؛ حيث يرى أن إحداث ثورة جذرية في منظومة التربية والتعليم هو المدخل الإجباري لتحقيق الطفرات الاقتصادية والسياسية، مستشهداً بالرؤية الرئاسية الثاقبة:

«إن المدرسة هي قضية حياة أو موت بالنسبة لنا، وهي حجر الزاوية للمستقبل.

وكل استثمار يوجه إلى قطاع المعارف والتعليم هو الاستثمار الأكثر أماناً وجدوى للمستقبل. فلا يمكن بحال من الأحوال إعلاء شأن المجتمع ومكانته دون إعلاء شأن المعلم ورفع كرامته وهيبته أولاً».

ويرى المؤلف أن هذه الأفكار المستنيرة شكلت السند النظري والفلسفي للخطوات الشجاعة التي اتخذتها الدولة الأوزبكية في السنوات الأخيرة لرفع المكانة الاعتبارية والمادية للمربين والمعلمين، وتحريرهم من الأعباء الإدارية والعمل القسري، مما انعكس إيجاباً على جيل الشباب والطلبة الذين باتوا يعتلون منصات التتويج العالمية في المحافل العلمية الدولية.

ثالثاً: مسارات التاريخ، واقع الحاضر، واستشراف المستقبل في الهوية الأوزبكية

نجح المؤلف في صياغة الرابط العضوي بين الماضي والحاضر والمستقبل بمهارة فائقة، مما يثير في نفس القارئ مشاعر الفخر المعرفي والمسؤولية الحضارية المشتركة.

1. الذاكرة التاريخية والدروس المستفادة

يغوص الباحث في الصفحات المضيئة لتاريخ الدولة الأوزبكية؛ فيستعرض السياسة المركزية الحكيمة للأمير تيمور (تامرلان)، والمدرسة الفلكية والعلمية الرائدة للميرزا أولوغ بيك، والأطروحات الإنسانية والفلسفية لشاعر الإنسانية علي شير نوائي. وفي ذات السياق، يقدم المؤلف تحليلاً معمقاً لحركة «الجديديين» الاستنارية في مطلع القرن العشرين (أمثال محمود خوجة بهبودي، وعبد الله أولاني، وعبد الرؤوف فطرت). ويوضح الكتاب أن التضحيات الجسيمة التي قدمها هؤلاء الرواد في سبيل نشر التنوير ونيل الاستقلال الوطني تمثل اليوم درساً بليغاً للحفاظ على الأمن والاستقرار والروح المعنوية، مؤكداً أن التاريخ ليس مجرد أحداث مضت، بل هو المعلم الأكبر لحماية الحاضر من تكرار أخطاء الماضي.

2. واقع الحاضر ورياح النهضة الجديدة

يقدم الكتاب أوزبكستان المعاصرة بوصفها دولة تعيش مرحلة تحول شامل وديناميكي (Transformation)، دولة واثقة من قدراتها ومقدراتها، وتدير حواراً متكافئاً وفعالاً مع المجتمع الدولي. ويرى المؤلف أن الإنجاز الأكبر للمجتمع الأوزبكي اليوم يكمن في «التحول الفكري للمواطن»، والتخلص من عقلية التواكل والاتكالية، والانتقال نحو المبادرة الفردية وصناعة المصير، وهو ما يتجلى في الطفرة الكبيرة لقطاع ريادة الأعمال والنجاحات الدولية للشباب الأوزبكي.

3. حتمية التوجه نحو المستقبل بخطى واثقة

يرسم الكتاب الموديل المستقبلي للدولة؛ وهي أوزبكستان القائمة على التكنولوجيا الفائقة، واقتصاد المعرفة، والاعتماد المتزايد على «الاقتصاد الأخضر»، والاستثمار الكامل في رأس المال البشري. تظهر أوزبكستان في رؤية الاستشراف المستقبلية للكتاب كقائد إقليمي، ومركز للسلام والاستقرار في آسيا الوسطى، ورافد رئيسي يقدم للحضارة الإنسانية كشوفات علمية واعدة.

رابعاً: البعد العملي والاجتماعي للإصلاحات الشاملة

يؤكد الباحث أحمد جاسم الزبيدي أن المفاهيم المطروحة في التجربة الأوزبكية ليست تنظيراً يوتوبياً، بل هي واقع ملموس تشهده الأقاليم والمحافظات عبر إصلاحات هيكلية تشمل عدة محاور رئيسية رصدها الكتاب بدقة:

الإصلاحات السياسية والدستورية: تجسدت في إقرار الدستور الجديد في صيغته المعدلة، وتعزيز الضمانات الدستورية لحقوق الإنسان، وتفعيل مبدأ المساءلة والمكاشفة للمؤسسات التنفيذية، وتعميق دور «المحلة» (الإدارة المحلية المجتمعية) كأداة للديمقراطية المباشرة.

التحرير الاقتصادي: من خلال تحرير سوق الصرف الأجنبي، وتبسيط المنظومة الضريبية، وضمان حصانة الملكية الخاصة، ومكافحة الاحتكار، مما أدى إلى تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتحويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة إلى القاطرة الأساسية للاقتصاد الوطني.

الحماية الاجتماعية ومكافحة الفقر: عبر ابتكار آليات مبتكرة وفريدة مثل «الدفتر الحديدي»، «دفتر النساء»، و»دفتر الشباب» لتقديم الدعم الفئات الأكثر احتياجاً بطرق منهجية تعتمد على التدريب المهني والتشغيل، والانتقال من الرعاية الاستهلاكية إلى التمكين الإنتاجي.

التعليم والابتكار: التوسع الهائل في قطاع التعليم قبل المدرسي، وتأسيس شبكة «مدارس الرئيس» للموهوبين، وزيادة المقاعد الدراسية في التعليم العالي عدة أضعاف، لربط مخرجات البحث العلمي بمتطلبات التنمية المستدامة والذكاء الاصطناعي.

الدبلوماسية البراغماتية المتوازنة: انتهاج سياسة خارجية منفتحة، والتركيز على تصفير المشكلات الإقليمية في آسيا الوسطى (ملفات الحدود والمياه)، وتعميق العلاقات التاريخية والاستراتيجية مع العالم العربي والإسلامي، مما رفع من المكانة الدولية لتاشكند كمنصة للسلام الإقليمي والدولي.

خامساً: «تاريخ أوزبكستان -  تاريخ الفكر الإسلامي الناصع» أفرد المؤلف فصلاً نوعياً في كتابه حمل عنوان «تاريخ أوزبكستان – تاريخ الفكر الإسلامي»، حيث قدم فيه توصيفاً علمياً دقيقاً ومنصفاً للدور الريادي لبلاد ما وراء النهر في صياغة التاريخ الإسلامي والإنساني. وأثبت الباحث بالدليل العلمي القاطع أن تطور العلوم الدنيوية والدينية والامتزاج العبقري بينهما في مسيرة الحضارة الإنسانية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بجهود علماء هذه الأرض المعطاءة. وسلط الضوء على الإرث المعرفي الضخم الذي تركه جهابذة الفكر الإسلامي والعلوم الإنسانية أمثال الإمام البخاري، والإمام الترمذي، والإمام الماتريدي، والخوارزمي، وابن سينا، والبيروني، ومؤكداً أن هذا الإرث يمثل القوة الناعمة والعمق الروحي لأوزبكستان الجديدة في تعاملها مع العالم الإسلامي.

الخلاصة: الأبعاد الدولية للكتاب والتكريم المستحق. ختاماً، يمكن الجزم بأن كتاب «الروحانية – نجمة الزهرة لأوزبكستان الجديدة» للأستاذ أحمد جاسم الزبيدي يمثل وثيقة فكرية وسياسية ودبلوماسية بالغة الأهمية. إن توقيت صدور هذا الكتاب وترجمته إلى اللغتين العربية والأوزبكية يمنحه مكانة رفيعة في سياق الدبلوماسية الثقافية وشرح أبعاد التجربة الأوزبكية الحديثة للمنطقة العربية والمجتمع الدولي.

ولقد شرفتُ شخصياً بكوني شاهداً ومشاركاً إلى جانب المؤلف الأستاذ أحمد جاسم الزبيدي في فعاليات تقديم وعرض هذا الكتاب في المنتديات الثقافية الكبرى في الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، ولمست عن قرب الاهتمام البالغ والنقاشات المعمقة التي أثارها الكتاب في أوساط النخب الفكرية والأكاديمية في العالم العربي. إن تقديم هذا العمل وترجمته إلى اللغات الحية يعزز بشكل فعال من إبراز جهود أوزبكستان الجديدة في المجالات الروحية، الثقافية، والدينية في المحافل الدولية، ويؤكد على دور الفرد المسلم الواعي في بناء السلام العالمي.

تقديراً لعطائه الفكري الممتد لسنوات طويلة، وقراءاته المنصفة والعميقة لتاريخ أوزبكستان، وثقافتها، واستشراف مستقبلياتها وسياساتها المتوازنة، تفضل فخامة رئيس جمهورية أوزبكستان ليكون متوجاً لهذه الجهود بمنح الأستاذ أحمد جاسم الزبيدي وسام «مجد العمل» (Mehnat Shuhrati) الرفيع؛ وهو تكريم لائق ومستحق يعكس عمق الروابط الأخوية والثقافية بين أوزبكستان والعراق، وبين أوزبكستان وعموم العالم العربي من المشرق إلى المغرب.

إننا إذ نبارك للأستاذ الكبير أحمد جاسم الزبيدي هذا التكريم الرسمي الرفيع، نؤكد - كأكاديميين وباحثين في أوزبكستان - على أن نشر هذه الأفكار ومضامينها السامية بين أوساط الشباب وطلبة الجامعات في دولنا يمثل واجباً وطنيا وعلمياً، لترسيخ قيم الحوار والمعرفة؛ تفعيلاً للمقولة التاريخية التي اختتم بها المؤلف كتابه نقلاً عن رئيسنا المفدى: «إننا بالتلاحم والاتحاد-  شعب واحد، وإننا بالوحدة والوئام -  وطن واحد!».


مشاهدات 67
الكاتب شكر الله عمروف
أضيف 2026/07/09 - 2:11 AM
آخر تحديث 2026/07/09 - 6:59 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 324 الشهر 8958 الكلي 15914085
الوقت الآن
الخميس 2026/7/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير