وفاء جميل تجسّد حضارة العراق عبر لوحاتها: الريشة تفوق الكلمة في التعبير عن الأفكار
بغداد - الزمان
ترى الفنانة التشكيلية العراقية الأمريكية وفاء جميل أن الفن ليس مجرد مساحة للإبداع، بل رسالة ثقافية وإنسانية قادرة على تقديم الصورة الحقيقية للعراق إلى العالم، بعيداً عن الصور النمطية التي ارتبطت به خلال العقود الماضية. ومن خلال لوحات تستلهم الحضارة والمرأة، تواصل جميل رحلتها الفنية التي بدأت منذ الطفولة، لتصل بها إلى معارض وبازارات في دول عربية والولايات المتحدة، حيث استطاعت أن تقدم أعمالاً تستحضر تاريخ بلاد الرافدين بلغة تشكيلية معاصرة. وتقول جميل، وهي خريجة معهد الفنون الجميلة في بغداد من مواليد عام 1983، إن شغفها بالرسم بدأ في سنواتها الأولى، حين وجدت في الريشة وسيلة للتعبير عن أفكارها ومشاعرها بصورة تفوق الكلمات. وتشير إلى أن الدراسة الأكاديمية في معهد الفنون الجميلة منحتها قاعدة معرفية متينة، وأسهمت في صقل موهبتها وتكوين شخصيتها الفنية.وتضيف أن تلك المرحلة رسخت لديها الاهتمام بالتفاصيل، والاعتزاز بالإرث الحضاري العراقي، والسعي إلى تقديم أعمال تحمل قيمة إنسانية وثقافية إلى جانب قيمتها الجمالية، مؤكدة أن (الفنان الحقيقي لا يكتفي بإنتاج لوحة جميلة، وإنما يسعى إلى أن تكون لكل عمل رسالة تعبر عن هوية وثقافة).
وتتحدث جميل عن تجربة الهجرة التي بدأت عام 2013، عندما غادرت العراق إلى لبنان قبل أن تستقر في الولايات المتحدة، موضحة أن هذه الرحلة كانت مليئة بالتحديات والحنين، لكنها في الوقت نفسه فتحت أمامها آفاقاً جديدة للتعرف إلى ثقافات مختلفة.
رموز حضارية
وترى أن الغربة لم تبعدها عن وطنها، بل جعلت العراق أكثر حضوراً في أعمالها، إذ باتت لوحاتها تمزج بين الذاكرة والواقع، وتعكس معاني الانتماء والهوية والحنين، مؤكدة أنها تحرص دائماً على أن تكون أعمالها جسراً ثقافياً بين العراق والغرب، وأن تقدم صورة مشرقة عن حضارة بلاد الرافدين وتاريخها العريق.
وتؤكد جميل أن الحضارة العراقية والمرأة تمثلان المحورين الرئيسيين في معظم أعمالها الفنية، إذ تسعى من خلال استلهام رموز حضارية مثل عشتار وبابل والزخارف العراقية إلى تعريف الجمهور الغربي بوجه العراق الثقافي والحضاري، بعيداً عن الصور المرتبطة بالصراعات والأزمات.
وتوضح أن المرأة العراقية تحتل مكانة خاصة في لوحاتها، لأنها تجسد في نظرها القوة والصمود والجمال والأمل، وكانت ولا تزال الحافظة للهوية والثقافة رغم مختلف الظروف، مشيرة إلى أن الفن يمتلك قدرة استثنائية على بناء جسور التفاهم بين الشعوب، وأن اللوحة أحياناً تكون أكثر تأثيراً من آلاف الكلمات.
ولا تقتصر تجربة الفنانة على الرسم فقط، بل تمتد إلى تعليم الهواة عبر ستوديو خاص أسسته في الولايات المتحدة، حيث تؤمن بأن نقل المعرفة إلى الأجيال الجديدة يمثل امتداداً لمسيرة الفنان.وتبين أن تعليم الفن رسالة موازية للإبداع، وأن أجمل ما يتركه الفنان ليس الأعمال الفنية وحدها، وإنما الأثر الذي يزرعه في نفوس طلابه. وتحرص في دروسها على تشجيع المتدربين على اكتشاف أساليبهم الخاصة، والابتعاد عن التقليد، إلى جانب غرس قيم الصبر والانضباط واحترام العمل الفني، انطلاقاً من قناعتها بأن الموهبة وحدها لا تكفي، وإنما تحتاج إلى المثابرة والتطوير المستمر. وحول تأثير البيئة العائلية في مسيرتها، تشير جميل إلى أنها نشأت في أسرة تعمل في مجالات الصحافة والإعلام، الأمر الذي جعلها تدرك منذ وقت مبكر أهمية الكلمة والصورة في إيصال الرسائل إلى المجتمع.
وتلفت إلى أنها اختارت الفن التشكيلي طريقاً مختلفاً، لكنها ترى أنه لا يبتعد كثيراً عن الإعلام، لأن اللوحة أيضاً وسيلة للتواصل مع الآخرين ونقل الأفكار والثقافات بلغة يفهمها الجميع، مؤكدة أن تلك البيئة الثقافية دفعتها إلى البحث عن المعنى والرسالة في كل عمل فني تقدمه. وعن أبرز محطاتها، تؤكد جميل أن كل معرض شاركت فيه، سواء في الدول العربية أو الولايات المتحدة، شكل تجربة مهمة أضافت إلى مسيرتها، لأنها أتاحت لها التواصل مع جمهور من ثقافات مختلفة، والتعرف إلى نظرتهم للفن العراقي.كما تشير إلى أن حصولها على المركز الثاني في إحدى المسابقات الفنية الدولية مثل محطة مفصلية عززت ثقتها بقدرتها على المنافسة، ومنحتها حافزاً كبيراً للاستمرار في تطوير تجربتها الفنية.
وتختتم الفنانة حديثها بالتأكيد على أن طموحها يتمثل في وصول أعمالها إلى المتاحف وصالات العرض العالمية، وتمثيل العراق في المزيد من المحافل الدولية، مع مواصلة توثيق الحضارة العراقية بأسلوب معاصر، والعمل على توسيع مشروعها الفني ليشمل أعمالاً تطبيقية تحمل الهوية العراقية، بما يسهم في تعريف العالم بجمال التراث والثقافة العراقيين عبر لغة الفن.