بلاء أرض الرافدين
جبار فريح شريده
منذ فجر التاريخ، كانت أرض الرافدين مهد الحضارات وموطنًا للعلم والقانون والإنسانية، لكنها كانت أيضًا مسرحًا للابتلاءات والمحن التي توالت عليها عبر العصور. فمن الغزوات القديمة إلى الصراعات الحديثة، ظل العراق يدفع ثمن موقعه وثرواته، حتى أصبح تاريخه مزيجًا من المجد والنكوص.
وتُعد واقعة استشهاد الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء من أعظم المحطات التي جسدت الصراع بين الحق والباطل، والعدل والظلم. فقد رفض الإمام الحسين مبايعة حكم رآه منحرفًا عن مبادئ الإسلام، وقدم نفسه وأهل بيته وأصحابه شهداء دفاعًا عن قيم الحرية والكرامة والعدالة. لذلك بقيت كربلاء رمزًا خالدًا لمقاومة الظلم، ومصدر إلهام لكل من يرفض الاستبداد والفساد.
وفي التاريخ العراقي الحديث، ولا سيما بعد عام 2003، واجهت البلاد تحديات كبيرة تمثلت في الانقسامات السياسية، وانتشار الفساد الإداري والمالي، وتراجع الخدمات، فضلًا عن العنف والإرهاب الذي أرهق المجتمع والدولة. ويرى كثير من العراقيين أن هذه المشكلات أعاقت بناء دولة قوية تحقق تطلعات المواطنين.
كما يرى بعض الكُتّاب والمحللين أن بقايا الفكر البعثي أو الشخصيات المرتبطة بالنظام السابق استمرت بالعمل بأشكال مختلفة في بعض مفاصل الحياة السياسية أو الأمنية أو الاجتماعية، بينما يرى آخرون أن أسباب الأزمات أوسع من ذلك، وتشمل عوامل داخلية وإقليمية ودولية متعددة. لذلك يبقى هذا الموضوع محل نقاش واختلاف في الرؤى.
إن استحضار ثورة الإمام الحسين في هذا السياق ليس لاستدعاء الماضي فحسب، بل لاستلهام قيمها في مواجهة الظلم والفساد، وترسيخ مبادئ النزاهة والعدالة وخدمة الناس. فنهضة الحسين كانت مشروعًا أخلاقيًا قبل أن تكون حدثًا تاريخيًا، ورسالتها ما زالت تدعو إلى الإصلاح ورفض الانحراف. تبقى أرض الرافدين، رغم ما مرت به من بلاءات، أرضًا قادرة على النهوض من جديد. ولن يتحقق ذلك إلا بالتمسك بقيم العدالة والوحدة والإصلاح، وهي المبادئ التي جسدها الإمام الحسين في كربلاء، لتبقى منارة لكل من يسعى إلى بناء وطن يسوده الحق والكرامة.