الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مذكرات عبد الله عباس.. توثيق نصف قرن من الصحافة والثقافة والسياسة

بواسطة azzaman

مذكرات عبد الله عباس.. توثيق نصف قرن من الصحافة والثقافة والسياسة

قتيبة الحميد

 

يُعد كتاب «مذكرات صحفي من كوردستان» للكاتب والصحفي الكردي المخضرم عبدالله عباس من أبرز المذكرات الصحفية التي وثّقت مسيرة الإعلام الكردي في العراق، إذ يجمع بين السيرة الذاتية والشهادة التاريخية والتوثيق السياسي والثقافي، ليقدم للقارئ صورة متكاملة عن مرحلة امتدت لأكثر من أربعة عقود، عاصر خلالها المؤلف أهم التحولات التي شهدها العراق وكردستان، وكان شاهداً  على كثير من أحداثها، ومشاركاً في صناعة جانب مهم من تاريخ الصحافة الكردية.

صدر الكتاب مطلع عام 2019 في مدينة السليمانية بإقليم كردستان العراق، ويقع في 396 صفحة، ويتناول أحداث الصحافة والثقافة الكردية في العراق خلال المدة الممتدة من 1961 وحتى نيسان 2003، مستندًا إلى تجربة شخصية ثرية عاشها المؤلف، الذي كان من أوائل محرري صحيفة «هاوكاري» الكردية اليومية التي صدرت في بغداد منذ عام (.    )، قبل أن يتولى رئاسة تحريرها بين عامي 1996 و2003.

يفتتح عبدالله عباس مذكراته بالعودة إلى جذوره العائلية، حيث يستعرض سيرة والده الذي كان أحد مقاتلي ثورة الشيخ محمود الحفيد، قبل أن يُدمج مع رفاقه في تشكيلات الشرطة العراقية بعد ربط مدينة السليمانية بالمملكة العراقية، ليعمل في سلك الشرطة الخيالة. وقد تنقلت الأسرة بين عدد من أقضية ونواحي محافظة السليمانية، مثل بينجوين وحلبجة وجوارتا وشهربازير، وهي بيئة تركت أثراً عميقاً في شخصية الكاتب ووعيه المبكر.

انطلاقة حقيقية

ولد عبدالله عباس في 4 نيسان 1948، وكان الابن الثالث بين خمسة أبناء، وفي سنوات الدراسة الابتدائية بدأت ملامح موهبته الأدبية بالظهور، إذ يصف تلك المرحلة بأنها كانت الانطلاقة الحقيقية نحو عالم الكلمة، متأثرًا ببيئة القرية ومعلمه التربوي الراحل فريدون علي أمين، الذي غرس فيه الإيمان بقيمة الثقافة والتعبير الأدبي، قبل أن ينشر له الشاعر الكردي الراحل جلال ميرزا كريم أولى محاولاته الشعرية في صحيفة «هيواي كردستان» عام 1959، لتبدأ رحلته مع الأدب والصحافة. انتقل بعد ذلك إلى مدينة السليمانية، حيث وجد بيئة ثقافية أكثر انفتاحاً ، وهناك فتح له الإعلامي المخضرم رفيق جالاك باب العمل في صحيفة «بروا» الأسبوعية، التي كانت تمثل مدرسة صحفية مهمة في ذلك الوقت. ويروي في مذكراته موقفاً كان له أثر كبير في مسيرته، عندما بادر إلى كتابة افتتاحية الصحيفة قبيل صدور أحد أعدادها بعد تعذر وصولها من رئيس التحرير، فأنقذ صدور العدد، ليكافأ لاحقاً ويُمنح صلاحية كتابة افتتاحية الصحيفة أسبوعياً ، وهي تجربة يؤكد أنها علمته الجرأة وتحمل المسؤولية وعدم التردد في اتخاذ القرار.

وفي فصل بعنوان «بغداد… الحلم والانطلاق»، يستعرض انتقاله إلى العاصمة بغداد، حيث عمل مذيعاً ومترجماً  في الإذاعة الكردية التابعة لدار الإذاعة العراقية بين عامي 1964 و1970، وقرأ أول نشرة إخبارية صباح التاسع من كانون الثاني عام 1964، كما شهد من داخل المؤسسة الإعلامية أحداث الانقلابين العسكريين في 17 و30 تموز 1968، إذ صادف وجوده مذيعاً مناوباً أثناء وقوعهما، وهو ما يضفي على مذكراته قيمة توثيقية كبيرة.

وبعد انتهاء تجربته الإذاعية، عاد إلى الصحافة المكتوبة، وكان من أوائل المحررين الذين كُلّفوا بإصدار صحيفة «هاوكاري» الكردية، التي ارتبط بها طوال حياته المهنية، وتدرج فيها من محرر إلى رئيس للمحررين، ثم سكرتير للتحرير، فمدير للتحرير، ثم نائب لرئيس التحرير، قبل أن يتولى رئاسة تحريرها بين عامي 1996 و2003. ويخصص في الكتاب فصلًا بعنوان «احترق مع الحبر والورق والكلمة»، يستعرض فيه تجربته الطويلة في الصحيفة، مؤكداً أن نجاحه كان ثمرة المبادرة والاعتماد على الكفاءة، لا على العلاقات أو المصالح، وأن الصحافة بالنسبة إليه كانت رسالة قبل أن تكون مهنة.

ولا تقتصر المذكرات على الجانب المهني، بل تتناول أيضاً نشاطه في التنظيمات السياسية الكردستانية، منذ انضمامه إلى اتحاد طلبة كردستان في مطلع ستينيات القرن الماضي، ثم إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني، وانتقاله إلى جناح المكتب السياسي بعد الانشقاق، قبل أن يقرر عام 1974 الابتعاد عن العمل الحزبي والتفرغ للصحافة والثقافة. ويمنح عبدالله عباس مساحة واسعة في كتابه لقضايا الفكر والسياسة والهوية، من خلال عدد من الفصول التي تعكس عمق تجربته واتساع رؤيته، من بينها «عام في الجبل وفي صفوف البيشمه‌ركه»، و*«صدام حسين… من بعيد ومن قريب»، و«بغداد من 20 آذار إلى 9 نيسان 2003»، و«أحداث خلف الستارة الشفافة»، و«قصة شعب ضحّى بالكثير ولم يحصل إلا على قليل… حنين إلى حكم الرجعين والعملاء..!»، و«الإصرار على محو ذاكرة التاريخ»، و«من يقف وراء زرع الحقد في نفوس الكرد تجاه العرب؟»*. وتعكس هذه الفصول رؤية المؤلف للأحداث التي عاشها بنفسه، إذ لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يقدم قراءة نقدية وتحليلية تستند إلى خبرته الطويلة في الصحافة وإلى معايشته المباشرة للتحولات السياسية والاجتماعية التي مر بها العراق وكردستان.

كما خصص المؤلف فصلًا مطولًا للحديث عن لقاءاته بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين، مستعرضاً انطباعاته عن تلك اللقاءات بحكم عمله الصحفي، ومسجلًا رأيه الشخصي بوصفه صحفياً ومواطناً كردياً عاش تلك المرحلة بكل تعقيداتها، مقدماً للقارئ شهادة مباشرة عن واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ العراق الحديث.

ويمثل الكتاب أكثر من مجرد سيرة ذاتية، فهو وثيقة تاريخية تؤرخ لمسيرة الصحافة الكردية، وتسجل جانباً مهماً من تاريخ العراق الحديث، بما يتضمنه من شهادات ومواقف ووثائق وذكريات تجعل منه مرجعاً مهماً للباحثين والمهتمين بتاريخ الإعلام والثقافة والسياسة في العراق وكردستان.

السيرة الذاتية لمؤلف الكتاب

صحافة كردية

عبدالله عباس صحفي وإعلامي وشاعر كردي عراقي، ولد في مدينة السليمانية في 4 نيسان 1948، ويُعد من أبرز أعلام الصحافة الكردية في العراق. بدأ مسيرته الإعلامية مذيعاً  ومترجماً في الإذاعة الكردية ببغداد بين عامي 1964 و1970، قبل أن ينتقل إلى الصحافة المكتوبة، حيث كان من أوائل العاملين في صحيفة «هاوكاري» الكردية، وتدرج في مسؤولياتها من محرر إلى رئيس للمحررين، ثم سكرتير للتحرير، فمدير للتحرير، ثم نائب لرئيس التحرير عام 1991، قبل أن يتولى رئاسة تحريرها بين عامي 1996 و2003.

شارك في جميع مؤتمرات اتحاد الأدباء الكرد واتحاد الأدباء والكتاب العراقيين، وكان عضواً فاعلًا في نقابة الصحفيين العراقيين، كما شارك في العديد من الندوات والدراسات المتخصصة، من أبرزها ندوة تاريخ الصحافة الكردية عام 1982 وندوة الأدب المقارن في جامعة صلاح الدين عام 1985.

أصدر 54 مؤلفاً  باللغتين الكردية والعربية، تنوعت بين الشعر، والمذكرات، والدراسات السياسية، والبحوث الاجتماعية، وأسهمت في إثراء المكتبة الكردية والعراقية.

وحصل على العديد من شهادات التقدير، من أبرزها شهادة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) في العراق عام 2000 بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، إلى جانب تكريمات من نقابة الصحفيين العراقيين، ووزارة الثقافة الاتحادية، وجامعة زاخو، واتحاد الأدباء والكتاب العراقيين، تقديراً لإسهاماته الكبيرة في خدمة الإعلام والثقافة.

ويُعد كتاب «مذكرات صحفي من كوردستان» من أهم أعماله، إذ يمثل خلاصة تجربة مهنية وإنسانية امتدت لأكثر من خمسين عاماً ، ويشكل مرجعاً مهماً  لتاريخ الصحافة الكردية، وشهادة صادقة على التحولات السياسية والثقافية التي شهدها العراق، ويؤكد المكانة التي احتلها عبدالله عباس بوصفه أحد أبرز شهود الكلمة الحرة وصنّاع الذاكرة الصحفية في العراق.


مشاهدات 40
الكاتب قتيبة الحميد
أضيف 2026/07/07 - 3:23 PM
آخر تحديث 2026/07/08 - 2:38 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 190 الشهر 7681 الكلي 15912808
الوقت الآن
الأربعاء 2026/7/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير