الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أوروبا والملف الإيراني.. معركة على مقعد الشريك لا المتفرّج

بواسطة azzaman

أوروبا والملف الإيراني.. معركة على مقعد الشريك لا المتفرّج

محمد علي الحيدري

 

كلما اقتربت واشنطن وطهران من تفاهم جديد، عاد الأوروبيون إلى الواجهة السياسية والدبلوماسية، وكأنهم يرفضون الاعتراف بأن أحد أهم ملفات الشرق الأوسط بات يُدار بعيداً عنهم. وما بدا في قمة مجموعة السبع الأخيرة من حرص فرنسي وألماني وبريطاني على الحضور في النقاشات المتعلقة بإيران لم يكن مجرد رغبة في الظهور أو تسجيل موقف سياسي، بل تعبيراً عن إدراك أوروبي متزايد بأن نتائج أي اتفاق أميركي إيراني ستنعكس على أوروبا بقدر ما ستنعكس على الولايات المتحدة نفسها.

لقد تعلم الأوروبيون درساً قاسياً بعد الاتفاق النووي عام 2015. ففي حين اعتقدت باريس وبرلين ولندن أنها شريك أساسي في صناعة ذلك الاتفاق، جاء الانسحاب الأميركي منه عام 2018 ليكشف حدود القدرة الأوروبية على حماية ما شاركت في بنائه. فبقرار واحد من واشنطن انهارت الترتيبات الاقتصادية التي راهنت عليها العواصم الأوروبية، وانسحبت الشركات الكبرى من إيران تحت وطأة العقوبات الأميركية، بينما وقفت أوروبا عاجزة عن الدفاع عن مصالحها أو حتى عن الاتفاق الذي ساهمت في صياغته.ومنذ ذلك الحين، ترسخ لدى الأوروبيين شعور بأن ترك الملف الإيراني بالكامل بيد الولايات المتحدة قد يجعل أمنهم ومصالحهم رهينة لاعتبارات أميركية لا تتطابق بالضرورة مع أولوياتهم. فواشنطن تنظر إلى إيران من زاوية ترتبط بالأمن القومي الأميركي وبالتوازنات السياسية الداخلية وحسابات البيت الأبيض، أما أوروبا فتنظر إليها من زاوية مختلفة، تتصل بأمن الطاقة واستقرار الشرق الأوسط وأمن الملاحة البحرية والحد من موجات النزوح والهجرة التي كثيراً ما دفعت القارة الأوروبية ثمنها.

ولهذا لا يتعامل الأوروبيون مع الملف الإيراني بوصفه قضية نووية فحسب. فبالنسبة لهم، يمتد تأثيره إلى أمن الخليج وأسعار النفط واستقرار الممرات البحرية والتوازنات الإقليمية في المشرق العربي. وأي اضطراب في مضيق هرمز أو أي مواجهة عسكرية واسعة في المنطقة ستكون له انعكاسات مباشرة على الاقتصادات الأوروبية التي لا تزال تعاني أصلاً من تداعيات أزمات متلاحقة خلال السنوات الأخيرة.

كما أن أوروبا لا تريد أن تجد نفسها مرة أخرى أمام اتفاق جرى التفاوض عليه بعيداً عنها ثم طُلب منها لاحقاً المساهمة في تنفيذه أو تحمل نتائجه. ولهذا تسعى باريس وبرلين ولندن إلى أن تكون شريكاً في رسم ملامح أي تسوية مقبلة، سواء تعلق الأمر بالبرنامج النووي الإيراني أو بالصواريخ الباليستية أو بالدور الإقليمي لطهران أو بأمن الملاحة في الخليج.

وربما يتجاوز الأمر الملف الإيراني نفسه. فالقضية بالنسبة للأوروبيين ترتبط أيضاً بمكانة أوروبا الدولية. فالقارة التي كانت يوماً أحد المراكز الرئيسية لصناعة القرار العالمي تشهد منذ سنوات تراجعاً نسبياً في نفوذها أمام الولايات المتحدة والصين والقوى الصاعدة الأخرى. ولذلك فإن استبعادها من الملفات الكبرى لا يُنظر إليه في العواصم الأوروبية باعتباره خسارة سياسية فحسب، بل باعتباره مؤشراً إضافياً على تراجع وزنها الاستراتيجي في النظام الدولي.

لهذا السبب يبدو الإصرار الأوروبي على الحضور في الملف الإيراني مفهوماً أكثر من أي وقت مضى. فالأوروبيون لا ينافسون واشنطن على دورها، بقدر ما يسعون إلى منع تحول واحدة من أكثر قضايا الشرق الأوسط حساسية إلى شأن أميركي خالص. إنهم يريدون الجلوس على طاولة القرار لأنهم يدركون أن الاتفاقات التي لا يشاركون في صنعها قد يجدون أنفسهم مضطرين إلى دفع ثمنها لاحقاً.

ومن هنا يمكن فهم التحركات الأوروبية الأخيرة: فهي ليست معركة دفاع عن إيران، ولا اعتراضاً على الدور الأميركي، بل محاولة للدفاع عن المصالح الأوروبية نفسها. فبين الشريك والمتفرج مسافة كبيرة، ويبدو أن أوروبا قررت هذه المرة ألا تقبل بالجلوس في المقاعد الخلفية.


مشاهدات 273
الكاتب محمد علي الحيدري
أضيف 2026/06/28 - 3:02 PM
آخر تحديث 2026/06/29 - 9:26 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 382 الشهر 27777 الكلي 15903258
الوقت الآن
الإثنين 2026/6/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير