الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
رحلة الحرف من أزقة النجف إلى رحاب المصحف الشريف

بواسطة azzaman

القزّاز يروّض القصب ليرسم آيات الجمال

رحلة الحرف من أزقة النجف إلى رحاب المصحف الشريف

النجف - حسن الجراح

في منزلٍ بأحد أحياء النجفِ حيث تتحول صالة الجلوس العائلية إلى متحفٍ يضجُّ بالمخطوطات الموشاة بالزخارف الإسلامية الهندسية والنباتية المبهرة، وتغدو غرفة الإستقبال المتواضعة بأثاثها والسامية بكنوزها الخطّية، محترفاً تملأُ أركانه المحابر المحشّاة بالليقة، وهي عبارة عن خيوط الحرير المنغمسة بالحبر، والورق المقهّر المصنع يدويا من ألياف النباتات الطبيعية،  وقصَب الخط العربي الذي يتوزع بعناية حسب سمك سن الكتابة، على مكتب الخط المائل ذي السطح الزجاجي الذي تنفذ منه اضواء خافتة من الأسفل لتبين حواف الحروف بدقة عالية، يفتح الخطاط عدنان محمد جعفر القزّاز 1967 أبواب سيرته، كاشفاً عن مسارٍ فنيٍ صاغه القدر والإرادة والموهبة الفذّة.

بدايات تشكلت من عبق النجف.. لم يكن الطريق إلى ريادة الحرف معبّداً بالورود، فقد بدأت ذائقة القزاز في فترة شرخ الشباب بالرسم ، و هو ما منحه أولى جوائزه عام 1983 وهو لا يزال في المتوسطة.  لكن عند بلوغه الثامنة عشرة أنحاز القزاز كلياً لفن الخط العربي، متأثراً بزميل له في الدراسة يدعى عبد الجواد، والذي عرفّه بالخطاط النجفي عبد الأمير العمراني 1954، ومن ثم تعرف على الخطاط الفِطري الراحل سلام نعمة، ليبلغ ذروة التكوين الفني على يد الخطاط العصامي الراحل جاسم النجفي (1950-2026)، الذي كان القزاز يتردد عليه في شارع زين العابدين قرب مرقد الإمام علي (عليه السلام)، عائداً من كل زيارة بشحنة روحية تدفعه للتمرن أسبوعاً كاملاً طلباً للتعلم والإجادة.

وجاء عام 1991 ليقلب موازين حياته، إذ دفعته الإنتفاضة الشعبانية، إلى مغادرة العراق مع عدد من افراد عائلته، لينجو بروحه نحو المملكة العربية السعودية، حيث إستقر في مخيم رفحاء لأكثر من أربع سنوات. هناك وسط قسوة اللجوء لم يضعف شغفه، بل أنبرى لتعليم عدد من اللاجئين خط الرقعة، وشرع في تأليف كراسه الأول الذي ضاع لاحقاً في خضم رحلته نحو هولندا عام 1996.في بلاد المهجر وتحديداً في مدينة «أوس» الهولندية، ورغم ضغوط العمل و إجهاد الغربة، بقي القزاز متصلاً بنبض الخط العربي، مراسلاً كبار الخطاطين الأتراك مثل داوود باكتاش و محمد أوزچاي، ومستفيداً من خبرات الخطاط العراقي بژار أربيلي والخطاط التركي آدم صكال في إستيعاب الأسرار الدقيقة للمدرسة العثمانية .

مسابقة دولية

وسجل عام 2002 نقطة تحول مفصلية، حين شارك في المسابقة الدولية التي يقيمها مركز الأبحاث للتأريخ و الفنون والثقافة الاسلامية، التابع لمنظمة التعاون الإسلامي في إسطنبول (إرسيكا). في إنجازٍ لافت أنجز القزاز عمله المشارك في 72 ساعة فقط ، لينتزع المركز الثالث في خط الثلث الجلي و جائزة تشجيعية في خط النسخ . تلا ذلك حصاد جوائز في طهران عام 2002، وسوريا عام 2005  وصولاً إلى نيله إجازة الخط العربي ، من الخطاط الراحل الحاج مهدي الجبوري 1928-2015 عام 2013 ، و تتويج مسيرته بلقاءات مباشرة مع كبار فناني العالم الإسلامي. واليوم، لا يكتفي القزاز بكونه فناناً بل صار جزءاً من الذاكرة البصرية المقدسة في العراق. فقد شارك لخمس مرات في ملتقى رمضان لكتابة المصحف الشريف بدبي والشارقة، وساهم في خط مصحف الشام، والذي صنف في حينها على أنه أكبر مصحف في العالم ، وصولاً إلى إنجاز كتابة المصحف الشريف كاملاً ، بخطي الثلث والنسخ و فق أسلوب ياقوت المستعصمي 1221م-1298م. وتتوزع مآثر القزاز اليوم في أرجاء العراق من الروضة الحيدرية ومسجد الكوفة ، إلى مراقد مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وميثم التمّار ومرقد الشهيد السيد محمد باقر الصدر، فضلاً عن عناوين عشرات الكتب و البحوث التي حملت بصمته . ويعيش القزاز اليوم في النجف متفرغاً لمشروعه الفني في محترفه المنزلي، مكرساً وقته لنقل أسرار المهنة إلى تلاميذه، وعلى رأسهم الخطاط عباس الموسوي، ليبقى الحرف العربي في عهدته رحلةً متصلة من الإبداع ، كما و يرفض الخداع والغش في توليد الحروف و فق صيغ جامدة و قوالب جاهزة تنتجها البرامج و الحواسيب . عنده الحرف أمانة ولا تصان الأمانة ما لم تغذّها من روحك و تمشقها بيدك.


مشاهدات 48
أضيف 2026/06/21 - 3:45 PM
آخر تحديث 2026/06/22 - 2:01 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 96 الشهر 20801 الكلي 15896282
الوقت الآن
الإثنين 2026/6/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير