باسم فرات والكتابة الرحلية العربية المعاصرة.. دهشة الأمكنة وعبقرية اللغة
أنوار بنيعيش
مقدمة:
تعد الرحلة من أقدم ما أنتجته البشرية التواقة إلى الحركة والانتقال والتعاون والرغبة في الاكتشاف، وامتدادها يصل إلى عصرنا الحاضر، بعد أن تطور وسائل المواصلات، وفتحت آفاق السفر إلى البلدان البعيدة المفيدة في غضون مُدَدٍ زمنية أقصر بكثير من السابق، فما كان يستغرق شهورًا وسنوات قديمًا، أضحى ممكن التحقيق في أيام. وهو ما أعاد بلورة الأدب نفسه والأهداف المرجوة منه؛ فلم تعد الغرابة والاكتشاف الكلي، ولا الإضافات التاريخية والجغرافية فقط هي مصادر إلهام الرحلة، وإنما أمورًا أخرى ارتبطت بتحدّي الذات والرغبة في الاحتكاك المباشر بالآخر والبحث عن ملاذ للإبداع والتأمل والتفكير وإثراء مخزون الخبرة الإنسانية... ومن ذلك ما نجده عند الشاعر والرّحالة العراقي المعاصر "باسم فرات" حيث يرتبط الحدس الإنساني وشعرية اللغة بحركية الانتقال وطرافة الأماكن وغزارة المعرفة ودهشة الاكتشاف.
عبقرية الرصد وطقوس الدهشة:
يتميز الشاعر الرّحَّالة "باسم فرات" بطابع خاص في التقاط المؤشرات الجغرافية والثقافية ونقاط الفرادة الكامنة في السفر؛ فالرحلة عنده – يصرح في أكثر من كتاب- "لحظات خاصة من الحميمية مع الأمكنة والبشر يلجها الرحالة مفرغا من قراءات وكتابات سابقة حول معطياتها التاريخية والإثنية والجغرافية، بحثًا عما يُحرِّك سواكن الإبداع والاحتكاك العفوي بالفضاء ومؤثثيه بشرا وحجرا، قبل أن يطعم كل ذلك ببحث بعديي عميق يؤهله لاكتشاف لقراءة ثانية للمكان والناس من زوايا تكميلية يتلاحم فيها التاريخ والجغرافيا، وتتكامل فيها الانطباعات الأولية والرصد التلقائي المباشر؛ حيث إنّ العين التي يرى بها "باسم فرات" العالم الخارجي خبيرة راكمت زخما لا ينتهي من التجارب الإنسانية عبر رحلات لما يربو عن أربعين بلدا. وهو ما يجعل الحدس عنصرا ثابتًا في رحلات هذا الكاتب المتميز يتلمَّسه القارئ في طرائق اختيار الأماكن والذوبان الجزئي في الطقوس والعادات المحلية، والوصف الدقيق للبشر والجمال بعيون ألفت التعدّد وساحت في جغرافيات طبيعية وبشرية عديدة وشديدة التنوع والاختلاف.
وكثيرا ما كان يقف الرّحّالة عند مظاهر مُعيَّنة في البلدان التي زارها محددا خصوصيات وفوارق إثنية ناطقة بالتفرّد، ففي كتابه عن البلدين الأفريقييْن المتجاوريْن "رواندا' و"أوغندا'، يصرّح: "اعتدت حين أزور بلدانا أن أتناول مأكولاتها ومشروباتها بالدرجة نفسها التي أحاول خلالها أن أكتشف تنوعاتها الإثنية والثقافية."[1]، ذلك أنّ للشعوب والثقافات مداخل رئيسة لا ينبغي القفز عليها وتجاوزها؛ فأن نرتحل ونكتب في أدب الرِّحلة يعني "بعبارة أخرى أن نلمس روح الشعوب بأيدينا ونشمُّها بأنوفنا، فللثقافات عبقها وللبلدان شذاها."[2]
تدوين الرحلة والكتابة المزدوجة:
يبدو أن ثنائية الخبرة والدهشة رفدت المكتبة الرّحلية العربية بنصوص متميزة قلّما حفلت بها آنفا؛ فالرّحّالة "باسم فرات" يُدوِّن رحلاته وهو محمَّل ببذخ الشعر وعراقة التاريخ وفيض التجربة المتراكمة. مما يجعل قراءة أعماله متعة خاصة ناجمة عن مزيج من الأسلوب الراقي وفَجْأةِ المكان وطرافة المعلومات وسلاسة الانتقال ودقة الاختيارات؛ حيث يكتب عبر مرحلتين يحسهما القارئ في تتبعه لمسار الرحلة ووصفها؛ فهناك ما يمثل مرحلة الدهشة، ويظل مسجلا تميل إليه إشارات كثيرة مبثوثة في النص، ومنها ما يُجسِّدُ المعرفة الغزيرة المعضَّدة بالكتب بالاطلاع الواسع على الكتب والموسوعات والمقالات والمواقع الإلكترونية الرَّصينة، وبين الطرفين ما يحيل مباشرة إلى الرَّحَّالة نفسه وميولاته ومحاذيره النفسية التي أشار إليها أكثر من مقطع مثل عدم إجادته السياحة ولا قيادة السيارة رغم كثرة الأنهار الكبرى التي عبرها في أسفاره، والمسافات الهائلة التي قطعها عبر البلدان والقارات، وهو في ذلك، ينجح في نقل البعد الإنساني للرَّحالة التي تزيد من التعاطف مع النصّ الرِّحْليّ وكاتبه الذي يتحدّى ذاته ومخاوفه من أجل حبّ الاكتشاف ولذّة الكشف والمغامرة.
لهذا، حرص الرّحالة العراقي "باسم" على اختيار وجهات رحلته بعناية فائق كانت تستهدف فضاءات وبلدانا ما زالت تحتفظ بكثير من عفويتها وطزاجتها الإنسانية مثل دول وشعوب أفريقيا جنوب الصحراء والتي لم تقطع صلاتها بأصولها الثقافية وما قامت عليه من امتداد عاطفي ووجداني بين الإنسان والطبيعة، وأثناء وصفه لها، كان التركيز ينصبُّ على أشدّ الأماكن حفاظًا على توهّج الدفقات الشعورية ومنابع الدهشة الشعرية "بدءًا بالساحات وفضاءات التقاء أفراد القبيلة، وتجمعاتهم، ووصولا إلى المتاحف التي تختزن الذاكرة الجماعية بأفراحها وأتراحها (متحف كيغالي لذكرى الإبادة الجماعية برواندا) والتي أبى الرّحّالة إلى أن يرتشفها قطرةً قطرة، كما أشار إلى ذلك في قوله عن المتاحف: "هوسي بها يجعلني لا أخرج من المتحف إلّا بعد أن أقرأ كل شاردة وواردة فيه"[3] مُصرّحا ببهجته الفائقة أثناء هذه اللقاءات الفريدة مع خلاصات التجربة الإنسانية ممثلة في فضاءات تعجُّ بالحكايات والأحداث والتواريخ التي نادرا ما يحفل بتفاصيلها الدقيقة الآخرون.
الوصف وتعدد الأنماط الأسلوبية:
يتوسل "باسم فرات" في معظم نصوصه خاصة كتابه عن رحلته التي دامت قرابة خمسة وعشرين يوما إلى "رواندا" و"أوغندا" في أفريقيا بمسحة شعرية تجمع بين التوظيف الدقيق للكثير من الصور لنقل حالات ومواقف انفعالية أو تفاعلية يصعب أن نعبّر عنها بلغة مباشرة مسطّحة مثل إشارته مثلا إلى العداوة المفتعلة بين الهوتو والتوتسي وكيف توغلت الأحقاد والكراهية بين أبناء البلد الواحد بسبب الدسائس الاستعمارية ومخلفاتها بعد الاستقلال. يقول: " اتشرت الكراهية ضد التوتسي كإطلاق تسمية 'الصراصير' عليهم، فأصبحت عشبًا ينمو في كلّ مكان، وباءً اجتاح البلاد نتيجة التخطيط والتنفيذ... أي أنّ ما فعله الأوروبيون في هذه البلاد منذ عقود خلت قد أتى بأكله."[4] ، وبين السخرية أحيانا من بعض السلوكات والظواهر غير الصحية التي تستشري في بعض البلدان الأفريقية من قبيل البيروقراطية القاتلة التي أشار إليها في موقف طريف ومُكلِّف في الآن نفسه اضطر معه إلى أداء ثمن التأشيرة مضاعفا في المطار بسبب تأخر سؤال روتيني في الوصول عبر البريد الإلكتروني؛ وهو ما عبّر عنه بلغة مكثّفة ومختزلة لجوهر المشكل، ومبنية على عبارة متعددة النعوت المتنافرة دلالةً، والمتجاورة مكانًا وسياقًا صاغها بمزيج المرارة والسخرية في قوله: "فابتسمت لهذا التَّرهُّل الإداريِّ الأسمرِ"[5] في إلماعة إلى بطء الإجراءات وضعف المرونة الرسمية اللازمة في مثل هذه المواقف. بينما لجأ الرَّحَّالة في بعض الحالات التي تتطلب سردا لمعطيات عامة أو إحصاءات للسكان وغيرها، إلى لغة مباشرة موصِلةَ الزخم المعرفي المقصود في سهولة ويسر بما يتماشى مع بساطة الفكرة، ويدلُّ- في الآن نفسه- على براعة الكاتب وقدرته على التنويع الأسلوبي، وتحكّمه الواضح في آليات التعبير، وامتلاكه المتميز لناصية اللغة إيحائية كانت أم مباشرة.
خاتمة:
وختاما، فإن الرحلة العراقية المعاصرة ممَثَّلة في إنتاجات وكتابات الشاعر الرَّحَّالة العراقيّ "باسم فرات" حققت قفزات فنية ونوعية هائلة على أكثر من صعيد؛ فقد لامست هذه الرحلات آفاقًا جديدة وأماكن غير مطروقة من قبل سواءً أفي أفريقيا أم في آسيا وغيرهما، كما أنها جدّدت آليات الكتابة والسرد والوصف عبر لغة جمعت بين الرحابة الأكاديمية أحيانا، ورهافة الصور الشعرية التي تتوغل في الثقافات والشعوب، وترصد دواخلها من طقوس وعادات وانتقادات تنمُّ عن الهمِّ الإنسانيّ الذي يؤطّر رحاّلة عربي مسلم ينظر إلى الآخر من كل زوايا الفهم والتواصل، وباحثا عن الجوهر الإنساني الجامع مهما اختلفت عوامل الجغرافيا والتاريخ والإنسان.
[1]- لؤلؤة واحدة وألف تلّ، رحلات بلاد أعالي النيل، باسم فرات، دار الأدهم للنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الأولى، 2019، ص: 61.
[2] - لؤلؤة واحدة وألف تلّ، رحلات بلاد أعالي النيل، المرجع نفسه، ص: 61.
[3] - لؤلؤة واحدة وألف تلّ، رحلات بلاد أعالي النيل، المرجع نفسه، ص: 11.
[4] - لؤلؤة واحدة وألف تلّ، رحلات بلاد أعالي النيل، المرجع نفسه، ص: 19.
[5] - لؤلؤة واحدة وألف تلّ، رحلات بلاد أعالي النيل، المرجع نفسه، ص: 58.