الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من بغداد إلى باريس ماذا لو التقى علي الوردي وإدغار موران


من بغداد إلى باريس ماذا لو التقى علي الوردي وإدغار موران

نوري جاسم

 

في عالم الفكر، هناك شخصيات لا تلتقي في الزمان أو المكان، لكنها تتقاطع في الأسئلة الكبرى التي تشغل الإنسان. ومن بين هذه الشخصيات يبرز عالم الاجتماع العراقي علي الوردي والفيلسوف الفرنسي إدغار موران، اللذان رحل أحدهما منذ عقود، فيما ودّع الآخر العالم قبل أيام عن عمر تجاوز المئة عام، لكن أفكارهما ما زالت حية في النقاشات الفكرية والأكاديمية. وقد يبدو للوهلة الأولى أن المسافة شاسعة بين بغداد وباريس، وبين عالم اجتماع انشغل بتحليل المجتمع العراقي، وفيلسوف كرّس حياته لفهم تعقيدات المعرفة الإنسانية. غير أن التأمل العميق في تجربتيهما يكشف عن خيط فكري مشترك يتمثل في رفض التبسيط، والبحث عن الحقيقة في مناطق التعقيد والتناقض. وكان علي الوردي يرى أن المجتمع ليس لوحة مرسومة بالأبيض والأسود، بل هو مزيج من القيم المتعارضة والاتجاهات المتداخلة. ولذلك اشتهر بتحليله لظاهرة الصراع بين البداوة والحضارة، وعدّها مفتاحًا لفهم كثير من الظواهر الاجتماعية في العراق. ولم يكن هدفه إدانة المجتمع أو تمجيده، بل محاولة فهمه كما هو، بعيدًا عن المثالية والشعارات.

أما إدغار موران فقد انطلق من السؤال ذاته ولكن على نطاق أوسع: كيف نفهم العالم في عصر تتشابك فيه العلوم والأفكار والمصالح والثقافات؟ ومن هنا طرح مفهوم "الفكر المركب"، الذي يدعو إلى تجاوز النظرة التجزيئية للأشياء، والنظر إلى العلاقات التي تربط بينها. فالعالم عند موران ليس مجموعة جزر منفصلة، بل منظومة مترابطة تتفاعل عناصرها بصورة مستمرة.

ومن اللافت أن كثيرًا من المشكلات التي شخصها الوردي في المجتمع العراقي يمكن قراءتها اليوم من خلال عدسة موران الفكرية. فالأزمات السياسية والاجتماعية والثقافية التي تعيشها مجتمعاتنا العربية لا تنشأ من سبب واحد، وإنما من شبكة معقدة من العوامل التاريخية والاقتصادية والتربوية والثقافية. وهذا ما يجعل الحلول السريعة والجاهزة عاجزة عن معالجة جذور المشكلات.

لقد سبق الوردي عصره عندما دعا إلى فهم الواقع بعيدًا عن الأوهام، كما سبق موران عصره عندما حذّر من خطورة التفكير المبسط في عالم يزداد تعقيدًا يومًا بعد آخر. وربما لهذا السبب ما زالت كتبهما تُقرأ حتى اليوم، وما زالت أفكارهما قادرة على إثارة النقاش وإعادة طرح الأسئلة. وإن المجتمعات التي تواجه تحديات كبرى تحتاج إلى مفكرين من طراز الوردي وموران؛ مفكرين لا يقدمون أجوبة جاهزة بقدر ما يعلمون الناس كيف يفكرون. فالتقدم لا يبدأ من تكديس المعلومات، بل من امتلاك القدرة على فهم الواقع بكل تناقضاته وتشابكاته.

ولعل الرسالة الأهم التي يتركها هذان المفكران للأجيال الجديدة هي أن الحقيقة ليست دائمًا بسيطة، وأن فهم الإنسان والمجتمع يحتاج إلى عقل منفتح، قادر على رؤية ما وراء الظواهر، واستيعاب التنوع والتعقيد بوصفهما جزءًا أصيلًا من الحياة. وبينما يواصل العالم توديع كبار مفكريه، تبقى الأفكار العظيمة قادرة على عبور الحدود والأزمنة. وهكذا يستمر الحوار الرمزي بين علي الوردي في بغداد وإدغار موران في باريس، حوارًا لا يجمع بين شخصين فحسب، بل بين تجربتين سعتا إلى فهم الإنسان في عالم يزداد تعقيدًا كل يوم. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم  

 


مشاهدات 53
الكاتب نوري جاسم
أضيف 2026/06/16 - 3:21 PM
آخر تحديث 2026/06/17 - 1:50 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 115 الشهر 15967 الكلي 15891448
الوقت الآن
الأربعاء 2026/6/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير