الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قراءة في قصيدة.. «لي لغةٌ تشربُ من جرارِ القرى» للشاعر مسلم الطعان
عزيز جبر الساعدي


قراءة في قصيدة.. «لي لغةٌ تشربُ من جرارِ القرى» للشاعر مسلم الطعان

عزيز جبر الساعدي

 

تنتمي هذه القصيدة إلى ذلك النمط الشعري الذي يمزج بين الذاكرة الريفية والتأمل الوجودي، حيث تتحول اللغة من مجرد أداة للتعبير إلى كائن حيّ يستمد روحه من الطين والماء والقرية.

يبدأ الشاعر بإعلان هويته الشعرية:

«لي لغةٌ...»

وهو افتتاح يحمل دلالة الامتلاك الروحي لا اللغوي فحسب، فهذه اللغة ليست لغة القواميس، بل لغة التجربة الأولى، لغة الطفولة والقرى وجرار الماء.

تتكرر في النص مفردات:

الطين

الماء

الليل

المعنى

الأغصان

الضوء

وهي تشكل حقلاً رمزياً متكاملاً. فالطين هنا أصل التكوين والانتماء، والماء رمز النقاء والخصب، أما الضوء فهو المعرفة التي تبدد ظلمات الصمت.

ومن أجمل صور القصيدة قوله:

«تصبُّ اللغةُ بأقداحِ الليل

خمراً من همساتِ الطين»

إذ يمنح اللغة قدرة سحرية على تحويل تفاصيل الحياة الريفية البسيطة إلى نشوة شعرية ومعرفية. فالخمرة هنا ليست خمرة مادية، بل خمرة المعنى والإلهام.

كما يبرز حضور الطفل القروي بوصفه البذرة الأولى للشاعر:

«كنتُ أدوّنُ في خارطةِ الطفلِ القرويِّ

حدودَ مسافاتِ المعنى»

فالطفولة ليست زمناً ماضياً، بل منبع الرؤية الشعرية التي ما زالت تغذي تجربته.

وفي المقطع الأخير يبلغ النص ذروته الصوفية:

«أدخلُها كراهبِ ديرٍ يتوسّلُ

بالضوءِ المغروسِ بطينِ الكلمات»

إذ يتحول الشاعر إلى ناسكٍ لغوي، يبحث في الكلمات عن الخلاص والنور، ويجعل من الشعر فعلاً لمقاومة العتمة:

«ويدحرَ بعصا الصوتِ

قطعانَ ظلالِ الظلمة»

وهنا تتجلى رسالة الشاعر؛ فالكلمة ليست زينة جمالية، بل قوة روحية تواجه الصمت والخراب.

القصيدة في جوهرها سيرة ذاتية رمزية، يروي فيها مسلم الطعان رحلته مع اللغة منذ طفولةٍ معجونة بالطين والماء، حتى غدت الكلمة لديه وطناً بديلاً، ونوراً يهزم العتمة، وذاكرةً تحفظ للقرية حضورها الأبدي في الروح والشعر. كل التحايا لحنجرة شاعرنا المبدع

د.عزيز جبر الساعدي/  القصيدة

: لي لغةٌ تَشربُ من جرارِ القرى...!

شعر: مسلم الطعان

 

لي لغةٌ...،

في طفولةِ مسافاتي

كنتُ:

أتوّجسُ حينَ أجوبُ مجاهلَها

وأنا ظمأٌ:

لهمسةِ حرفٍ قرويِّ المعنى والطينْ

اذ تسقيني جرارُ قراها:

من شهدِ معينِ الكلمات

ومن عناقيدِ قواريرِ المعنى:

تصّبُ اللغةُ بأقداحِ الليل

خمراً من همساتِ الطينْ

منذ نعومةِ مسافاتي:

وانا اعبثُ مبتهجاً بأغصانِ الطينْ

أبحثُ عن معنى لوجودي المغروسِ هناك

وقربَ شجيراتِ التكّي الأحمر

كنتُ أدوّنُ في خارطةِ الطفلِ القرويِّ

حدودَ مسافاتِ المعنى

وأرسمُ بأقلامِ الحلمِ الطينيِّ:

بيوتَ الماءْ

وأنا المائيُّ النائمُ فوقَ سريرِ مواويل الماءْ

حينَ أغنّي ينامُ الليلُ

وتشرقُ من شدوي شمسُ المعنى

وتفّزُ عصافيرُ الصبحِ بريشٍ عطريِّ

وحينَ أغنّي:

أستنطقُ حنينَ الأغصانِ لصوتٍ:

يوقظُ في الأوراقِ دموعَ المعنى

لي لغةٌ...،

أدخلُها كراهبِ ديرٍ يتوَّسلُ:

بالضوءِ المغروسِ بطينِ الكلماتِ

كي ينفضَ غبارَ مسافاتِ الصمتِ

ويدحرَ بعصا الصوتِ:

قطعانَ ظلالِ الظلمة....!

!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!


مشاهدات 50
الكاتب عزيز جبر الساعدي
أضيف 2026/06/16 - 3:22 PM
آخر تحديث 2026/06/17 - 1:50 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 115 الشهر 15967 الكلي 15891448
الوقت الآن
الأربعاء 2026/6/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير