قراءة في تصنيف ستاندرد آند بورز
العراق والإمارات .. المستقبل والمخاطر
ليث شبر
قرأت قبل قليل تقرير ستاندرد آند بورز الأخير وما تبعه من تحليلات اقتصادية دولية، ولم أتعامل معه بوصفه خبراً مالياً يهم المستثمرين وحدهم، بل بوصفه رسالة تستحق أن تصل إلى السيد رئيس الوزراء علي الزيدي، وإلى حكومته، وإلى القوى السياسية التي وقفت خلفها. فالأرقام التي تضعها مؤسسات التصنيف ليست مجرد حروف إنكليزية غامضة، وإنما شهادة دولية على قدرة الدول في إدارة حاضرها وصناعة مستقبلها. وحين ننظر إلى المسافة بين العراق والإمارات فإننا لا ننظر إلى فرق في الثروة فقط، بل إلى فرق في الرؤية والإدارة وطريقة التفكير. فالإمارات ما زالت تحتفظ بتصنيف سيادي مرتفع عند مستوى (AA)، وهو من أعلى التصنيفات في العالم، بينما يقف العراق عند مستوى (B-) مع بقاء المخاطر المرتبطة بالاقتصاد الريعي والبيئة الإقليمية والتحديات المالية. وقد يبدو الفرق بين الحرفين بسيطاً لمن لا يتابع هذه الملفات، لكنه في الحقيقة يمثل فارقاً بين دولة يثق العالم بقدرتها على امتصاص الصدمات ومواصلة النمو، ودولة ما زالت المؤسسات الدولية تتساءل عن قدرتها على تجاوز الأزمات المقبلة.
والمفارقة أن البلدين يمتلكان النفط. لكن الإمارات قررت منذ سنوات أن تجعل النفط وسيلة لبناء المستقبل، بينما ما زلنا في العراق نتعامل معه بوصفه المستقبل نفسه.
شركات عالمية
هناك تحولت عوائد النفط إلى موانئ ومطارات ومدن اقتصادية وشركات عالمية ومراكز مالية وجامعات وتقنيات متقدمة واقتصاد معرفي. أما هنا فما زال النفط يدخل الخزينة ليخرج منها سريعاً على شكل رواتب ومخصصات ونفقات تشغيلية ودعم واستهلاك.
وأقول ذلك للحكومة الجديدة لأنني لم أسمع حتى هذه اللحظة فلسفة اقتصادية واضحة يمكن أن أقول إنها ستقود العراق خلال العقد القادم. نعم، هناك حديث عن مكافحة الفساد، وتحسين الخدمات، وتشجيع الاستثمار، ودعم القطاع الخاص، وهي أمور مطلوبة بلا شك، لكن أين النموذج الاقتصادي الذي نريد الوصول إليه؟ أين الصورة الكبرى؟ أين العراق الذي نريده عام 2040 أو 2050؟ ما زال الخطاب الاقتصادي يدور في معظمه حول الرواتب والتعيينات وقطع الأراضي والقروض والمخصصات، وهي أدوات لتوزيع الثروة أكثر مما هي أدوات لصناعة الثروة. ولعل هذا هو جوهر المشكلة التي تشير إليها مؤسسات التصنيف بصورة غير مباشرة. فالعالم لا يسأل كم موظفاً عينت الدولة، ولا كم قطعة أرض وزعتها، ولا كم قرضاً منحته، بل يسأل: ماذا تنتج؟ وما حجم مساهمة الصناعة؟ وما دور التكنولوجيا؟ وما نسبة الاقتصاد المعرفي؟ وكيف ستتعامل الدولة مع الأزمات المقبلة؟ وما مقدار اعتمادها على مورد واحد؟ وهذه الأسئلة لا تزال معلقة في الهواء العراقي منذ سنوات طويلة.
وحين تنظر ستاندرد آند بورز إلى الإمارات فإنها ترى دولة بنت مؤسساتها على أساس التنويع والاستدامة والقدرة على التكيف. وحين تنظر إلى العراق فإنها ترى ثروات هائلة بلا شك، لكنها ترى أيضاً اقتصاداً يعتمد بصورة شبه كاملة على النفط، وترى دولة ما زالت تتأثر بأي تغير في الأسعار العالمية أو بأي اضطراب إقليمي أو دولي. المشكلة ليست في نقص الإمكانات، بل في غياب المشروع الاقتصادي الذي يحول الإمكانات إلى قوة مستدامة. ومن هنا أجد نفسي مضطراً لتكرار ما طرحناه مراراً في المبادرة الوطنية للإصلاح. فالعراق لا يحتاج فقط إلى إصلاح مالي أو موازنة أفضل أو إيرادات إضافية، بل يحتاج إلى انتقال كامل من الدولة الريعية إلى الدولة المنتجة، ومن الاقتصاد النفطي إلى الاقتصاد المعرفي، ومن الإدارة التقليدية إلى الدولة الذكية السيادية. لقد دخل العالم عصر الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والحوسبة المتقدمة وسلاسل القيمة العالمية، فيما ما زلنا نناقش ملفات كان يفترض أن تُحسم قبل عشرين عاماً.
حكومة جديدة
وقد يقول قائل إن المقارنة بين العراق والإمارات ليست عادلة، لأن لكل دولة ظروفها الخاصة. وهذا صحيح جزئياً. لكن السؤال الحقيقي ليس لماذا أصبحت الإمارات في هذا الموقع، بل لماذا بقي العراق بعيداً عن موقع يليق بثرواته وإمكاناته البشرية والجغرافية والحضارية؟ فالعراق لا يقل عن أي دولة في حجم الموارد، بل ربما يتفوق على كثير منها. غير أن الموارد وحدها لا تصنع المستقبل، وإنما تصنعه طريقة إدارتها. ولهذا فإنني أتعامل مع تقرير ستاندرد آند بورز بوصفه إنذاراً مبكراً أكثر من كونه حكماً نهائياً. إنه يضع أمام الحكومة الجديدة مرآة باردة وصريحة، ويقول لها إن العالم لا يقيم الدول وفق خطاباتها، بل وفق قدرتها على بناء اقتصاد قادر على الحياة حتى حين ينخفض النفط، وقادر على النمو حتى حين تتغير الظروف، وقادر على إنتاج المعرفة لا استهلاكها فقط.
إن العراق يمتلك فرصة حقيقية اليوم. لكنه يحتاج إلى أكثر من إدارة يومية للأزمات، وأكثر من توزيع الموارد، وأكثر من تدوير الحلول القديمة. يحتاج إلى فلسفة اقتصادية جديدة، وإلى رؤية طويلة الأمد، وإلى شجاعة في الانتقال من ثقافة الاستهلاك إلى ثقافة الإنتاج.
فالفارق الحقيقي بين العراق والإمارات ليس ما يظهر في جداول التصنيف الائتماني، بل ما يوجد خلف تلك الجداول من رؤية وإرادة ومشروع للمستقبل.
وهنا يكمن الخطر...
وهنا أيضاً تكمن الفرصة.