الصين وأمريكا وفرص الإفلات من فخ ثوسيديدس
غزاي درع الطائي
كان الرئيس الصيني واضحا في كلمته التي ألقاها في المأدبة التي أقامها في بكين للرئيس الأمريكي الزائر دونالد ترامب والوفد المرافق له، وكانت كلماته مركَّزة، قالت غرضها في أقل عدد من الكلمات، ومما جاء في تلك الكلمة التي حدَّد فيها ما يتوجَّب الأخذ به في ما سمّاه بـ (الحقبة الجديدة) الواقعة على (مفترق طرق): (اجتماعنا اليوم محط أنظار العالم، وعلينا العمل معا للحفاظ على مستقبل الشعبين وتجاوز ما يُسمّى بـ ــ فخ ثوسيديدس ــ ويجب أن نكون شركاء بدلا من متنافسين، وأن يساعد بعضنا بعضا على النجاح والازدهار المشترك، وإيجاد الطريق الصحيح للدول الكبرى للتعايش بشكل جيد في الحقبة الجديدة)، وأضاف: (لقد وصل العالم إلى مفترق طرق، فهل يمكن للصين والولايات المتحدة تجاوز فخ التوترات المستعرة؟)، وهذا السؤال أبوابه مفتوحة للنظر السديد وللاختيار الواعي.
علاقة شركاء
والرئيس الصيني، مما تقدَّم، يرى أن العلاقة بين الصين وأمريكا يجب أن تكون علاقة شركاء لا علاقة متنافسين، وعلاقة متعايشين لا علاقة متنافرين في ظل توترات مستعرة، وأن تكون الصين وأمريكا ناجحين معا ومزدهرين معا، وذلك بأن يساعد بعضهما بعضا من أجل مصالح الشعبين ومصالح العالم أجمع بملياراته الثمانية.
ونتوقف عند (فخ ثوسيديدس) الذي جاء في كلمة الرئيس الصيني، لنقول: إن مصطلح (فخ ثوسيديدس) قد دخل في حقل العلاقات الدولية المعاصرة بقوة، مع صدور الكتاب الذي يحمل عنوانا صادما هو (حتمية الحرب، هل بإمكان أمريكا والصين الإفلات من فخ ثوسيديدس؟) ( Destined for War: Can America and China Escape Thucydides›s Trap) لمؤلفه غراهام أليسون (وهو أستاذ في العلوم السياسية وكاتب أمريكي وُلد عام ،1940 وعمل مساعدا لوزير الدفاع الأمريكي سابقا).
وقد صدر هذا الكتاب في نيويورك عام 2017، والفكرة المركزية التي يدور حولها الكتاب، ويعمل على إشاعة مضمونها هي: عندما تظهر إلى العيان قوتان: قوة صاعدة، وقوة مهيمنة قائمة، وينشأ بين تلكما القوتين نوع من التنافس، فإن القوة الصاعدة ستشكِّل ما يمكن أن يُعدَّ تهديدا للقوة المهيمنة، عندئذ فإن الحرب ستكون شبه حتمية بين القوتين المتنافستين.
ومثَّل صدور هذا الكتاب تحذيرا من إمكانية أن يكون خطر الحرب بين المتنافسين الصين وأمريكا كبيرا، وأن يكون وقوع تلك الحرب المفترضة شبه مؤكَّد، ومختصر (فخ ثوسيديدس) كما رآه غراهام أليسون هو (وصف نزعة واضحة نحو الحرب عندما تهدد قوة صاعدة قوة عظمى مهيمنة إقليميا أو دوليا).
وقد حظي كتابه (حتمية الحرب) بتقدير كبير واهتمام واسع في الأوساط السياسية والأكاديمية، وجرى اختياره في عام صدوره بوصفه كتابا بارزا، وبوصفه أفضل كتاب تاريخي، وصُنِّف ضمن أفضل كتب السياسة، ولكي تكون الصورة كاملة، نقول: إن (فخ ثوسيديدس) هو في الأصل نظرية صاغها المؤرخ الإغريقي الشهير (ثوسيديدس) في القرن الخامس قبل الميلاد، وبناها على صعود قوة أثينا في مقابل قوة إسبارطة المهيمنة في ذلك الوقت، وأدى ذلك إلى اشتعال الحرب (البيلوبونيسية) بين أثينا وإسبارطة، وقد قام أليسون في كتابه بمراجعة (16) حالة تمثلت بوجود قوتين إحداهما صاعدة والأخرى مهيمنة قائمة، مثل حالة الصين وأمريكا اليوم، ووجد أن (14) حالة من تلك الحالات أدت إلى نشوب الحرب بين الطرفين.
تعايش حقيقي
إن (الإفلات) من (فخ ثوسيديدس) ممكن إذا كان الطرفان المعنيان بهذا الفخ يسعيان إلى التعايش الحقيقي، وإلى مد جسور التفاهم الفاعلة، وإلى تقوية أواصر التعاون الجادة، وإذا كان هدف الجميع إطفاء سعير التوترات، من غير سباقِ تسلحٍ أو صراع اقتصادي أو تنافس تكنولوجي، لمصلحة الشعبين أولا ولمصلحة العالم بأسره ثانيا، وإذا ما كان ذلك فإن الطريق سيكون مؤديا إلى السلام لا إلى الحرب باحتمالية عالية.