جمهورية الضباب ومعادلة المصالح
أحمد فاتح محمد
«قريباً ستُشكّل الحكومة» هذا ما يردده الساسة والمراقبون والأحزاب بعد كل انتخابات تُجرى. ولكنهم لا يقولونها لأنهم مستعجلون على وضع الأمور في نصابها، بل يقولونها بعد تمعن وضرب الأخماس بالأسداس، استعداداً وتحسباً، وبعد التدقيق في معادلة المصالح وتوزيع المغانم، وما ستكون عليه أرصدتهم البنكية، وما سيطرأ عليها من تطور أو نكوص بعد تشكيل الحكومة.
كعكة موزعة
ماذا عن المواطن؟ الحديث عن المواطن ما هو إلا رشة توابل فوق طبق الغنائم الموزعة.
أما الساسة فهم جالسون وراء مكاتبهم الفخمة، يشربون الشاي والقهوة مع الكعكة الموزعة، كأنهم يوزعون أوراق البوكر على مجالسيهم. الفرق أن أوراق البوكر عليها أرقام، أما أوراق لاعبينا فعليها: الكهرباء، النفط، الصحة، التربية… هذه دسمة تناسبني، وتلك تناسبك.
القانون في بلادي مطاطي، عُرضة للتلاعب. عندما لا يحتاجونه يضعونه على الرف، وعندما يحتاجونه تُعقد الجلسة في رمشة عين، ويكتمل النصاب، ليتحول مشروع القانون في وقت قياسي إلى قانون نافذ. نفس القوانين التي لو تقدم بها المواطن لضمان المصالح العامة لرفضت بحجة عدم اكتمال النصاب وعدم ملاءمة الظروف اللعينة.
ماذا عن الدستور؟ الدستور موجود بالطبع، ومواده تعطي دروساً بليغة لأكثر البلدان ديمقراطية، لكنه محكوم بقواعد فن غريب يُسمى “التأويل” ومن يمتلك مفاتيح القرار يمتلك سلطة التأويل أيضاً، ويمكنه أن يُخرج من الأبيض أسوداً، ومن الأسود أبيضاً كما يشاء. الدستور سقفنا جميعاً، لكنهم يرفعونه متى ما شعروا بالضيق منه. ما علينا، الجميع يفهم ما أقصد.
حقيقة دامغة
نعم، الجميع يعرف ما أقول، لكنهم يعرفونه معرفة أحقية الموت لكل منا. ورغم أنها حقيقة دامغة، إلا أنها لا تغيّر الكثير من السلوك. يذهب ليصوّت، ثم ينتظر، وبعد ذلك يصرخ معترضاً، ثم يعود ليدخل في سبات عميق. ثم يصحو ليرى أن الحكومة شُكّلت والوجوه نفسها والوعود ذات الوعود. فيسأل نفسه: هل أنا من صوّت على هؤلاء؟ أم أن هناك من ناب عني بينما كنت غارقاً في النوم؟
أما الوطن فحيّ لا يموت، حيّ في الأغاني وفي طيات التصريحات، وفي جيوب من تعرفونهم… جيوب من؟ هذا ما لا يُقال!