الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
هل فهم ترامب معنى فخ ثيوسيدس ؟

بواسطة azzaman

هل فهم ترامب معنى فخ ثيوسيدس ؟

حسن عبيد عيسى

 

عُرِفت الصين بحضارتها العريقة ذات العمق الغائر في أعماق التاريخ..ومن المكونات الأساسية لتلك الحضارة الحكمة ..ولعل المنظر العسكري الأقدم في التاريخ (صن تسو) والذي يحتفظ كل الضباط اليوم بنسخة من كتابه (فن الحرب) ..دليل على ذلك..إسترجعت في ذهني كل ذلك الماضي وأنا أتابع لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمضيّفه الرئيس الصيني شي جين بينج على مائدة العشاء الخميس 14 مايس 2026 ..فلقد قال الرئيس الصيني لضيفه:»إن التاريخ والعالم وشعوبه يتساءلون عن إمكانية تجاوز بلدينا فخ ثيوسيدس والشروع ببناء أنموذج جديد من العلاقات بين القوى العظمى؟». فالمصالح المشتركة تتغلب على الخلافات وتقلل منها ..فلنكن شركاء وليس خصوماً.. وهكذا إقترح الرئيس الصيني.

فالرئيس الصيني يريد أن يزيح عن المُخ الأميركي القائد أن الصين قوة ناشئة ،يجب أن يكبح جماحها ،فنحن قوة مناظرة ومكافئة لكم يمكننا أن نتعاون وندخل في شراكة مجدية بعيداً عن الفخ التاريخي .كما بين الزعيم الصيني.

فهم المراد

ترى أفهم ترامب القصد العميق للرئيس الصيني؟ ليس من المؤكد أنه فهم المراد ،فهو وبدلاً من أن يرد بالمثل وفي السياق ذاته ، فإنه راح يهتف باسم الرئيس الصيني ويكيل له المديح المعروف في خطابات ترامب (أنت رائع جدا انت قائد عظيم جدا أنا أحببت اطفالكم الذين استقبلوني يمكننا القيام بأعمال تجارية :بيزنس مشتركة). ولا عجب فثقافته العامة لا تعدو ثقافة تاجر لا يفهم في غير الأسهم والصفقات وحِيَل البَيْع والشراء وما الى ذلك..

فما هو فخ ثيوسيدس؟..

عندنا في الأدبيات العسكرية العشرات من المصطلحات المستمدة من أساطير وحكايات التاريخ القديم..ومن ذلك على سبيل المثال:سيف ديموقليس وعقب آخيل ،وخيار الروبيكون ، وصندوق بندورا وسرير بروكرست..وكثير من مفردات هذا السجل الفخم. ومنها خيار ثيوسيدس..

ثيوسيدس ويقال ثيوقيديد (460 ق.م – 395 ق.م) مؤرخ إغريقي كتب عن الحقبة الأخطر في تاريخ الإغريق حيث إختلطت حقائق التاريخ بالأساطير ،وأعني بها حقبة الحرب البيلوبونيسية بين قائدتي مدن الاغريق إسبارطة وأثينا..فإسبارطة القوة الأعظم في واقع اليونان يوم ذاك أخافها الصعود المريب لأثينا مما جعلها تعاف كل خيارات التعامل سوى الحرب.

استنتج ثيوسيدس من تلك العلاقة المضطربة المشوبة بالخوف والتحفز ،فكرة التنافس بين قوة ناشئة (أثينا) وقوة راسخة (إسبارطة) ،وما يمكن أن يفرز ذلك التنافس..

تلقف تلك الفكرة السياسي والاكاديمي والمحلل الأميركي ﮔﺮاهام تيلت أليسون من جامعة هارفارد الأميركية  (مساعد سابق لوزير الدفاع الأميركي) ليطبقها على حالة العلاقة بين أميركا (القوة الراسخة) والصين (القوة الناشئة)..فهو يطبق على علاقاتهما ببعض ،وجهة نظر ثيوسيدس في العلاقة الاسبارطية الاثينية.وخرج جراء ذلك بنظرية من نظريات العلاقات السياسة المعاصرة ضمَّنها كتابه (مصير الحرب) الذي صدر سنة 2017..

ولعل النقطة المضيئة في أفكار نظريته تلك وكتابه ذاك هي أن الحرب بين اميركا والصين ليست أمرا حتما ..ووَضَعَ قائمة من الإجراءات الواجب اتخاذها من قبل الطرفين لتجنب الحرب التي ستكون كارثية إن وقعت.

ما يهم الرئيس الصيني الحالي (شي جين بينج )من نظرية أليسون هو الفكرة التي ذَكّر المفكر الأميركي متلقيه بالسياسة وهو يستعرض مراحل صعود القوة الصينية ،فهي في عهد الرئيس دينج شياو بينج 1978- 1992 اجترح عليه سياسة (الخُتل والترصد)أي كما يفعل الصياد عندما يختل ويراقب الصيد ويترقبه..

أما الرئيس الحالي ،فقد أنهى تلك السياسة من خلال نهجه الجرئ الذي لم يعد يرى مبرراً للتكتم على الطموحات القومية للصين والتي تروم الى تعزيز مصالح البلاد والإرتقاء بها والعودة الى المكانة التقليدية للصين في الحضارات القديمة .جعله ذلك في موقف المُبادر في مجال السياسة الخارجية التي إتسمت في عصره بجرأة غير معهودة وحزم له مبرراته.

علاقات حساسة

هذا الحال جعل اليسون يقرر أن التصادم مع الصورة التي تمثل تلك الطموحات ليس حلاً لمشكلة العلاقات الحساسة بين أميركا والصين ،الأمر الذي تطلب مزيداً من التقارب وخاصة على مستوى القمة وهو ما نراه اليوم خلال زيارة ترامب الى الصين ومعه وفد ضخم من السياسيين ورجال الأعمال. فهل قام ترامب بها من هذا المنطلق ؟

ولعل من بين من تناول أفكار ثيوسيدس وإستثمر المثال (الإسبارطي الأثيني) ونظر لواقع العلاقات الأميركية الصينية في ضوء تلك الأفكار ،الملياردير راي داليو وهو رجل أعمال أميركي ورد إسمه في قائمة تايم لأكثر مائة شخصية تأثيراً في العالم لسنة 2012، ألّف كتاباً عنوانه (مبادئ التعامل مع النظام العالمي المتغير)..والذي خلص فيه الى أن «إقتراب قوة صاعدة مثل الصين من القوة القائمة مثل الولايات المتحدة يخلق توتراً حتمياً يقود غالباً الى صراع شامل ،ليس غير منافسة شرسة لتشخيص من يضع قواعد النظام العالمي مع إرتفاع منسوب مخاطر الحرب «.

وعندما تطرق داليو الى أفكار ثيوسيدس صراحة ،فإنه أشار الى أن التنافس بين القوتين غالباً ما ينتهي بصراع عسكري مُباشر بسبب الخوف المتبادل بينهما ،والمتمثل بخوف القوة القائمة من فقدان التأثير ،وخوف القوة الصاعدة من القيود التي قد تُفرض عليها.

إذن ،كان الرئيس الصيني يشير في خطابه الى طبيعة العلاقات الصينية الأميركية من وجهة نظره في ضوء أفكار ثيوسيس ونظريتي الأميركيين أليسون وداليو ،ويدعو ضيفه الى تجنب  الوقوع في فخ ثيوسيدس  وضرورة الإرتقاء بالعلاقات الى ما فوق مستوى الخوف المتبادل وسيادة روح التعاون في أجواء الثقة المتبادلة ..فهل فهم الرئيس الأميركي القصد من ذلك؟..ربما قهمه لاحقاً بعد أن شرحه له بعض مستشاريه..مما جعله عاجزاً عن الرد على مضيّفه ، مجارياً له في سياق الحديث في مجالي التاريخ والسياسة ،فراح بدلاً من ذلك ، يكيل له المديح ويهتف بإسمه.

 

 


مشاهدات 83
الكاتب حسن عبيد عيسى
أضيف 2026/05/16 - 3:13 PM
آخر تحديث 2026/05/17 - 12:53 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 70 الشهر 15433 الكلي 15860627
الوقت الآن
الأحد 2026/5/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير