الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
على المضيق توكلنا


قصة قصيرة

على المضيق توكلنا

ضرغام عبدالرحمن الجابري

 

لم يعد أحد ينظر إلى التراب. كانت أعناق رجال البلدة مشرئبة دائماً نحو الأفق الأزرق، حيث يتقاطع البحر مع السماء. هناك، تتشكل النقاط السوداء التي سرعان ما تكبر لتصبح سفناً عملاقة، ترسو لتقيئ حمولتها من الصناديق الملونة واللامعة على أرصفة الميناء.

كان "عثمان" يجلس أمام دكانه المهجور، يمسح الغبار عن منجله الصدئ بحركة رتيبة. قبل عشر سنوات فقط، كانت رائحة الخبز المخبوز من قمح الوادي تعبق في الأزقة، وكانت أصوات المطارق في ورش الحدادة تضبط إيقاع الصباح. اليوم، رائحة النايلون وصناديق الكرتون تسيطر على كل شيء، وصمت مريب يغلف الورش المغلقة.

"لماذا نرهق ظهورنا في الحراثة إذا كان الطحين يأتينا في أكياس بيضاء ناصعة جاهزة؟ ولماذا ندق الحديد ما دامت الآلات تأتينا مغلفة وبنصف الثمن؟"

كان هذا هو المنطق السام الذي تسلل ببطء ليلتهم عقول الجميع. بدأ الأمر كرفاهية مقبولة، ثم تحول إلى أسلوب حياة، وانتهى كقيد غير مرئي.

شيئاً فشيئاً، زحف الشوك على الحقول الخصبة حتى خنقها. بيعت المحاريث خردةً لشراء أجهزة حديثة لا يملك أحد في البلدة مهارة إصلاحها إذا تعطلت. نسي النجارون كيف يعشقون الخشب، واكتفت النساء بشراء الأقمشة الجاهزة التي تبهت ألوانها مع أول مطر، متخليات عن أنوال النسيج التي صمدت لأجيال.

تحولت البلدة بأكملها إلى صالة انتظار كبيرة. لم يعودوا منتجين، بل مجرد أفواه فاغرة تنتظر ما تجود به السفن. أصبحت حياتهم ومزاجهم وبقاؤهم معلقاً بجدول رحلات بحرية لا يملكون السيطرة عليها.

ثم جاء الخريف الذي لم يشبه غيره.

تناقلت أجهزة المذياع أخباراً مقتضبة عن أزمات في القارة البعيدة؛ توترات سياسية، إغلاق مضائق، وانهيار فجائي في خطوط الإمداد والتجارة. في البداية، تعامل الأهالي مع الأمر باستخفاف. "ستأتي السفن غداً، لم تخذلنا يوماً"، قالها المختار وهو ينفث دخان تبغه المستورد.

لكن الغد جاء ومضى. تلاه أسبوع، ثم شهر. وبدأ البحر يكشر عن وجهه الخالي من الأشرعة.

نفدت أكياس الطحين الأبيض من المخازن. تعطلت مضخات المياه ولم يجدوا لها قطع غيار فجفت الصنابير. صمتت المولدات الكهربائية بعد انقطاع الوقود. انقشع بريق الحياة السهلة المعبأة في صناديق، ليتركهم عراة تماماً أمام حقيقة مرعبة: لقد نسوا كيف يعيشون.

في صباح يوم بارد، تجمع رجال البلدة في الساحة المركزية. كانت الوجوه شاحبة، والبطون تعتصر جوعاً. اتجهوا لا شعورياً نحو دكان عثمان القديم، الوحيد الذي لم يفرط في أدواته.

وقفوا أمامه صامتين، يتبادلون نظرات الانكسار. تقدم أحدهم وقال بصوت متهدج: "يا عثمان.. هل بقي لديك بذور لنزرعها؟ هل تصلح لنا محاريثنا؟"

نظر إليهم الشيخ طويلاً، ثم أخرج منجله القديم ورماه على الأرض الجافة التي تشققت من العطش والإهمال، وقال بصوت خشن كحفيف الشجر الميت:

"الأرض لا تعطي من استخف بها، والبحر لا يطعم من لا يملك شباكه. تريدون الزراعة الآن؟ اذهبوا وابحثوا عن بذور في جيوبكم."

عبث الرجال في جيوبهم وفي قيعان مخازنهم الفارغة، لكنهم لم يجدوا شيئاً. لقد استهلكوا كل شيء، وحتى القمح القليل الذي تبقى في قاع الأكياس الأجنبية، اكتشفوا متأخرين أنه قمح عُقّم في مصانعهم البعيدة... لكي لا ينبت في أرضهم أبداً.

وقفوا هناك، على واحدة من أخصب بقاع الأرض، يلعنون البحر الذي علمهم التسول، متناسين أنهم هم من قطعوا أيديهم طواعية، لكي يسهل عليهم ارتداء القفازات الجاهزة.


مشاهدات 67
الكاتب ضرغام عبدالرحمن الجابري
أضيف 2026/05/03 - 3:38 PM
آخر تحديث 2026/05/04 - 3:31 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 150 الشهر 2915 الكلي 15248109
الوقت الآن
الإثنين 2026/5/4 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير