الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
رجال على مقاس الفرصة

بواسطة azzaman

رجال على مقاس الفرصة

سعد العبيدي

 

لا يهدأ العميد الركن عبد الواحد ليلة العاشر من نيسان 2003. يستشعر سقوط النظام كما تُستشعر رائحة المطر قبل هطوله. يدركُ أن أبوابًا تُفتح، يعرف مفاتيحها جيدًا. فقد تعلّم، إبّان خدمته الطويلة سكرتيرًا للوزير، أين توضع المفاتيح، وكيف تُشمّ الفرص، وسبل الدخول منها دون أن يُرى.

يقود سيارته البرازيلية العتيقة بلا توقف. يصل إلى مقرٍّ حزبي مرتجل في الزيونة، كان حتى الأمس دائرة عسكرية، استولى عليها ضباط عائدون يتحدثون عن بناء الجيش الجديد، وإعلاء شأن الديمقراطية. يندفع فور وصوله نحو العميد الركن مجيد، أمين سر التنظيم، يعانقه بحرارة تتجاوز المألوف، يبارك عودته، يهلّل، ويرفع الدعاء. وفي داخله جملة واحدة: هذا بابي الجديد.. يعود في الصباح التالي مرتديًا بدلته الأنيقة، يتبعه خمسة ضباط متقاعدين ساقهم معه بعناية. يسير بهم إلى المقر، ويقدّمهم الى العميد مجيد واحدًا تلو الآخر. يتحدث بثقة ملساء، يعلن ولاءه التام، ويعرض نفسه جسرًا يعبر عليه الآخرون. يستحضر سجنه أيام النظام الساقط، كوسامٍ صالحٍ للاستثمار.. لسانٌ معسول يستهوي العائدين المتعطشين لكل ما هو معسول، فيقرّبونه سريعًا، ويمنحونه مقعدًا في مكتبهم السياسي، قريبًا من العميد، لا يفارقه إلا قليلًا. وقبل أن ينتصف النهار، تلتقط أذنه مكالمة عن الشروع في إعادة تشكيل الجيش الجديد؛ يلتقطها كما تُلتقط الفرص، يقنع مجيد بأن يقدّمه أول المرشحين، حجر الأساس لتنظيمٍ يبحث عن موطئ قدم في جيشٍ قيد الولادة.. يصل إلى لجنة المقابلة في القصر الحكومي. يعترض أحد أعضائها، ضابط عراقي عائد مع القوات المحتلة، قائلاً: أعرفه جيدًا… انتهازي، كان على صلة وثيقة بالوزير السابق والعائلة الحاكمة، ولا يصلح لتوجهات الجيش الجديد.

نظرة خاطفة

يلتقط العضو الأمريكي المعنى بنظرة خاطفة، توحي بأنه النموذج المطلوب. يفهمها البريطاني والأسترالي، ويتبادلون صمتًا دالًا. عند التصويت، يُقبل بالأغلبية. يبتسم الأمريكي لحظتها، قائلاً ببرود: هكذا هي الديمقراطية التي نريدها في العراق..يلتحق بالخدمة في اليوم التالي، مشروعًا صاعدًا. رتبة تجرّ أخرى: لواء، ثم فريق. يقترب أكثر، فيزداد طواعية، ويتقن فنّ السير مع الأمريكان حيث يميلون. يحضر مجالسهم الخاصة، يشاركهم سهراتهم، يبتسم في الوقت المناسب، ويصمت حين يُراد له الصمت. كل خطوة محسوبة، كل ولاء مُعلن، وكل حضور مدفوع بترقية أسرع من الأقران، ومنصبٍ أقرب مما يستحق. رضاهم هو السُلّم المعهود، وطاعتهم طريقه إلى الصعود، حتى صار ينفّذ ما يُطلب منه بلا تردد.

يرن الهاتف في مكتبه قائدا. يؤكد الصوت أن ستة ملايين دولار قد دُفعت لضمان ترشيحه لمنصب الوزير.

بابٌ جديد يُفتح على مصراعيه لمزيد من الاستثمار: عقود تُمرَّر، وأموال تعود مضاعفة. يقهقه بأعلى صوته، فيسأله المرافق مجاملةً عن السبب، فيجيب: لقد فُتح آخر الأبواب.

يقف تحت قبة البرلمان لنيل الثقة، يتحدث عن سجنه ومعارضته لغزو الكويت، وعن ظلمٍ يزعم قد قاومه طوال خدمته العسكرية… كذبٌ، يهمس رفيق له في الحزب، ويضيف: مجرد محاولة لإزالة الصدأ. لن يقدّم ذلك شيئًا ولن يؤخّر؛ فالثقة مشتراة سلفًا.

جمع العميد مجيد أعضاء مكتبه السياسي، واتجهوا إلى مكتب الوزير لتهنئته وإعلان الاستعداد للمشاركة في بناء الجيش الجديد. جلسوا ينتظرون الرد، خرج اليهم مدير المكتب معتذرًا: الوزير مشغول.

رشّح للانتخابات؛ فسقط في أول اختبار. يعقب السقوط لغطٌ خافت يتصاعد عن عقودٍ فاسدة وعلاقاتٍ مشبوهة. وقبل أن يتماسك الكلام، يختفي فجأة. ليظهر لاحقًا في أمريكا، يعيش بهدوءٍ آمن، ينعم بما جمعه من ملايين. هناك تنتهي حكايته… وهنا يبدأ غيره الطريق ذاته، في وطنٍ تُترك أبوابه مفتوحة لنسخٍ تتناسل من جيناته المعطوبة.

 

 


مشاهدات 75
الكاتب سعد العبيدي
أضيف 2026/05/01 - 11:57 PM
آخر تحديث 2026/05/02 - 7:13 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 361 الشهر 1083 الكلي 15246277
الوقت الآن
السبت 2026/5/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير