إستشهاد الكلمة
فاطمة علي
أربعةُ ذي القعدة
تاريخٌ لا يمرّ على الذاكرة مرور الأيام العادية بل يقف عنده الزمن مثقلا بالحزن مستحضراً واحدةً من أبرز المحطات التي تركت أثرها العميق في الوجدان الشعبي العراقي في هذا اليوم يغيب صوتٌ كان حاضراً في كل بيت وعلى كل منبر صوت السيد محمد محمد صادق الصدر الذي شكّل حضوره علامة فارقة في الحياة الدينية والاجتماعية والسياسية
لم يكن الغياب حدثاً عابراً بل لحظة مفصلية شعر فيها كثيرون أن صلاة الجمعة فقدت شيئاً من روحها وأن المنبر لم يعد كما كان فقد ارتبطت خطب الجمعة في أذهان أتباعه بصوته الجريء وكلماته التي لامست هموم الناس اليومية وطرحت قضاياهم بوضوح نادر في تلك المرحلة
وعلى الرغم من مرور السنوات ما زال هذا الفقد حاضراً بحرارته لا يبرد مع الزمن بل يتجدد مع كل ذكرى. إذ تحوّل إلى حالة وجدانية متوارثة تعبّر عن عمق العلاقة بين القائد وجمهوره وعن تأثيرٍ تجاوز حدود اللحظة ليبقى ممتداً في الذاكرة الجماعية.
لقد مثّل الصدر بالنسبة لكثيرين نموذجاً لرجل الدين الذي لم ينعزل عن واقع الناس بل كان قريباً منهم متحدّثاً بلغتهم ومعبّراً عن معاناتهم وهذا ما جعل ذكراه لا تُختزل في حدثٍ تاريخي بل تبقى حيّة في الوجدان، تُستعاد مع كل منعطف يمرّ به المجتمع
وفي كل عام، حين يعود أربعة ذي القعدة لا يكون مجرّد تاريخ، بل مناسبة لاستذكار مسيرة، واستحضار صوتٍ ما زال صداه يتردّد، رغم الغياب. صوتٌ ترك فراغاً كبيراً لكنه في الوقت ذاته خلّف إرثاً لا يزال حاضراً في النفوس، يذكّر بأن بعض الغياب، وإن طال لا يمكن أن يُمحى.