إستقصاء ورسوم.. نتائج صادمة في ذكرى إحتلال وتدمير العراق
علي إبراهـيم الدليمي
بعدما حصل ما حصل للعراق بعد (تحرير الكويت)، وتشديد العقوبات الإقتصادية الدولية عليه، والتهيوء للمرحلة الثانية والقاصمة لإنهاء النظام السياسي في العراق، التي تحققت فيما بعد، عام 2003، والتي يعاني منها الشعب العراقي حتى الآن.
بدأ سيناريو (أمريكي) خبيث، على انه دولي، تحت «مظلة» الأمم المتحدة، بتشكيل (لجنة الأونسكوم) (UNSCOM)، وهي اختصار لـ United Nations Special Commission، وباللغة العربية تُعرف باسم «اللجنة الخاصة للأمم المتحدة».
ما هي مهمتها؟ وأهم التفاصيل حول طبيعة عملها وتاريخها:
تأسست هذه اللجنة بقرار من مجلس الأمن الدولي (القرار رقم 687) في عام 1991، فور انتهاء حرب الخليج الثانية. كان الهدف الأساسي منها هو:
- التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل في العراق.
- تفكيك وتدمير قدرات العراق في مجالات الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والصواريخ البالستية التي يتجاوز مداها 150 كيلومتراً.
- مراقبة عدم عودة العراق لتطوير هذه البرامج.
محطات رئيسية في تاريخها:
- التعاون والتوتر: عملت اللجنة في العراق لسنوات، وشهدت علاقتها بالسلطات العراقية آنذاك فترات من المد والجزر، واتهامات متبادلة بالتجسس أو إخفاء المعلومات.
- النهاية: توقفت اللجنة عن العمل فعلياً في أواخر عام 1998 بعد أزمة مفتشي الأسلحة التي أدت إلى عملية «ثعلب الصحراء».
- البديل: في عام 1999، تم استبدال «أونسكوم» بلجنة أخرى سُميت «أنموفيك» (UNMOVIC)، والتي استمرت حتى الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.
لماذا كانت مثيرة للجدل؟
رغم نجاحها في تدمير كميات كبيرة من الأسلحة والمعدات، إلا أنها واجهت انتقادات حادة بسبب اتهامات لبعض أعضائها بجمع معلومات استخباراتية لصالح دول معينة بعيداً عن تفويض الأمم المتحدة.
تنويه: كانت اللجنة مسؤولة عن الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والصواريخ فقط، بينما تولت الوكالة الدولية للطاقة الذرية IAEA) ) ملف السلاح النووي العراقي في ذلك الوقت.
لماذا استُبدلت بـ «أنموفيك» (UNMOVIC)؟
بعد سنوات من العمل، تصاعد التوتر بين الحكومة العراقية واللجنة، حيث أكتشف العراق بعض المفتشين بالتجسس لصالح الولايات المتحدة وبريطانيا. في عام 1998، غادر المفتشون العراق، وشنت الولايات المتحدة وبريطانيا ضربات جوية (عملية «ثعلب الصحراء»).
بناءً على ذلك، أصدر مجلس الأمن القرار رقم 1284 في ديسمبر 1999 لتأسيس لجنة الأمم المتحدة للرصد والتحقق والتفتيش (UNMOVIC) بدلاً من «أونسكوم». كانت تهدف هذه اللجنة الجديدة إلى معالجة الانتقادات السابقة من خلال:
- جعل المفتشين موظفين مباشرين لدى الأمم المتحدة (وليسوا خبراء منتدبين من دولهم).
- التركيز على نظام مراقبة مستمر للتأكد من عدم استئناف البرامج التسليحية.
دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية :(IAEA)
من المهم التفريق بين عمل UNSCOM والوكالة الدولية للطاقة الذرية:
UNSCOM: كانت مسؤولة عن الصواريخ الباليستية، والأسلحة الكيميائية، والأسلحة البيولوجية.
IAEA : كانت مسؤولة حصراً عن الملف النووي العراقي، وقد أعلنت في وقت مبكر نسبياً (منتصف التسعينات) أنها نجحت في تحييد البرنامج النووي العراقي بشكل كبير.
الجدل حول «التجسس»:
لاحقاً، اعترف بعض المسؤولين الدوليين (مثل ريتشارد باتلر، رئيس اللجنة آنذاك) بأن بعض الدول استفادت من تقنيات التفتيش لجمع معلومات استخباراتية عن تحركات القيادة العراقية وتشفير اتصالاتها، وهو ما أضر بمصداقية اللجنة الدولية في ذلك الوقت.
النتائج النهائية
رغم الجدل، إلا أن تقارير «أونسكوم» و»أنموفيك» لاحقاً أكدت أنها نجحت في تدمير:
- آلاف الأطنان من العوامل الكيميائية.
- مئات الصواريخ ومئات الرؤوس الحربية.
- مختبرات ومصانع لإنتاج الأسلحة البيولوجية.
تفاصيل حول الشخصيات القيادية التي أدارت هذه الملفات، والقرارات الدولية التي شكلت مسار الأحداث في العراق خلال تلك الحقبة:
أولاً: القيادات البارزة (رؤساء اللجان)
لعب رؤساء لجان التفتيش أدواراً سياسية ودبلوماسية كبرى، وكان لكل منهم أسلوب مختلف في التعامل مع الأزمات:
رولف إيكيوس (Rolf Ekéus):: دبلوماسي سويدي، وهو أول رئيس لـ (UNSCOM)من عام 1991 إلى 1997.
ريتشارد باتلر:(Richard Butler) دبلوماسي أسترالي، خلف إيكيوس (من عام 1997 إلى 1999)، اتسمت فترته بـ التصادم المباشر مع الحكومة العراقية. اتهمه العراق بأنه ينفذ أجندة أمريكية لتغيير النظام وليس فقط للتفتيش، وانتهت فترته بانسحاب المفتشين واندلاع عملية «ثعلب الصحراء».
هانس بليكس Hans Blix)): سويدي ورئيس سابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، عُين رئيساً للجنة الجديدة (UNMOVIC) عام 2000، اشتهر بتقاريره المتوازنة قبيل غزو 2003، حيث أكد أن العراق لا يمتلك أسلحة دمار شامل نشطة، وهو ما ثبتت صحته لاحقاً.
القرارات الدولية الحاسمة:
استند عمل هذه اللجان إلى منظومة قانونية من مجلس الأمن، أهمها:
(687) 1991 - «أم القرارات»؛ وضع شروط وقف إطلاق النار وأمر بتأسيس UNSCOM وتدمير أسلحة العراق.
(707) 1991 - أدان عدم امتثال العراق وطالب بالسماح للمفتشين بالوصول الفوري وغير المشروط لأي موقع.
(1284) 1999 - ألغى «أونسكوم» وأنشأ UNMOVIC كبديل أكثر مهنية وحيادية.
(1441) 2002 - منح العراق «فرصة أخيرة» للتعاون مع المفتشين، واعتُبر هذا القرار لاحقاً (من قبل أمريكا) غطاءً قانونياً للغزو.
التداعيات التاريخية
انتهى دور هذه اللجان رسمياً في عام 2007 بقرار من مجلس الأمن، بعد أن تأكد العالم (بعد غزو 2003) أن العراق لم يكن يمتلك مخزونات من أسلحة الدمار الشامل كما كان يُشاع في تقارير الاستخبارات الغربية، مما عزز من مصداقية تقارير هانس بليكس النهائية التي كانت تدعو للتريث.
من المثير للاهتمام المقارنة بين ما قاله المفتشون الدوليون قبل الحرب، وبين ما وجدته «مجموعة مسح العراق» (Iraq Survey Group) التابعة للاستخبارات الأمريكية بعد الغزو، حيث كشفت النتائج عن فجوة هائلة بين «الادعاءات» و»الحقيقة».
بعد غزو العراق عام 2003، شكلت الولايات المتحدة فريقاً ضخماً يضم أكثر من 1200 خبير (عسكري ومدني) وميزانية هائلة للبحث عن أسلحة الدمار الشامل التي كانت السبب المعلن للحرب. ترأس الفريق لاحقاً تشارلز دولفر.
النتائج الصادمة للتقرير (أكتوبر 2004):
- لا أسلحة دمار شامل: أكد التقرير أن العراق لم يمتلك أي مخزونات من الأسلحة الكيميائية أو البيولوجية أو النووية عند وقوع الغزو.
- تدمير قديم: تبيّن أن العراق قد دمر معظم أسلحته المحظورة بالفعل في عام 1991 (بعد حرب الخليج مباشرة)، إما طواعية لإخفاء البرامج أو استجابة لضغط المفتشين.
- القدرات «النائمة»: ذكر التقرير أن صدام حسين كان لديه «النية» و»الخبرة العلمية» لاستئناف البرامج في المستقبل إذا رُفعت العقوبات، لكنه لم يمتلك القدرة الفعلية آنذاك.
مقارنة بين «الادعاءات» و»الواقع الميداني»
3. «مختبرات كيرفبول» (Curveball)
من أشهر قصص الفشل الاستخباراتي هي قصة منشق عراقي لُقب بـ «كيرفبول».
* ادعى هذا الشخص وجود شاحنات متنقلة لإنتاج الأسلحة البيولوجية.
* اعتمدت الخارجية الأمريكية (كولن باول) على هذه المعلومات في خطابه الشهير أمام مجلس الأمن.
* بعد الحرب، اعترف «كيرفبول» بأنه كذب ليحصل على حق اللجوء في ألمانيا، ولم تكن هناك أي شاحنات من هذا النوع.
4. الخلاصة التاريخية
أثبتت النتائج الميدانية بعد عام 2003 أن مفتشي الأمم المتحدة (UNSCOM و UNMOVIC) كانوا أكثر دقة ومصداقية من أجهزة المخابرات الدولية الكبرى، حيث أن تقاريرهم التي كانت تشكك في وجود الأسلحة ثبتت صحتها تماماً.
تقارير المفتشين
مفارقة: خاضت الولايات المتحدة الحرب بناءً على معلومات «استخباراتية»، بينما كانت تقارير «المفتشين الميدانيين» تقول إن العراق متعاون جزئياً ولا توجد أدلة ملموسة على وجود السلاح.
لختام هذا الملف التاريخي المثير، سنركز على النهاية القانونية لهذه اللجان، وكيف أُغلق ملف أسلحة الدمار الشامل العراقي في أروقة الأمم المتحدة، مع لمحة عن مصير الشخصيات التي أدارت هذا المشهد.
أولاً: القرار رقم 1762 (نهاية الحقبة)
في يونيو 2007، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 1762، والذي نص رسمياً على:
* إنهاء تفويض لجنة «أنموفيك» (UNMOVIC) والوكالة الدولية للطاقة الذرية فيما يخص التفتيش في العراق.
* الاعتراف بأن العراق لم يعد يشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين فيما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل.
* تحويل الأرشيف الضخم الذي جمعه المفتشون (والذي يحتوي على أسرار تقنية وعسكرية حساسة) إلى عهدة الأمم المتحدة مع فرض قيود صارمة على الوصول إليه لحماية المعلومات.
ثانياً: أين ذهب «أبطال» هذا الملف؟
تفاوتت مصائر الشخصيات الرئيسية التي ارتبطت أسماؤها بـ UNSCOM و UNMOVIC:
* هانس بليكس (Hans Blix):
* أصبح رمزاً للنزاهة المهنية بعد الحرب. أصدر كتاباً شهيراً بعنوان «نزع سلاح العراق»، انتقد فيه التسرع في الغزو وتجاهل التقارير الميدانية. نال تقديراً دولياً كبيراً كدبلوماسي لم يرضخ للضغوط السياسية.
* ريتشارد باتلر(Richard Butler):
* واجه انتقادات لاذعة بعد الحرب بسبب تقاريره التي اعتبرها البعض «استفزازية» وساهمت في التصعيد. انتقل للعمل الأكاديمي والبحثي في الولايات المتحدة وأستراليا، وظل يدافع عن موقفه بأن العراق كان «يخادع» العالم.
* سكوت ريتر (Scott Ritter):
* مفتش أمريكي سابق في UNSCOM، كان في البداية من «الصقور» المتشددين ضد العراق، لكنه تحول لاحقاً إلى أشد المعارضين للحرب، مؤكداً (قبل الغزو) أن قدرات العراق التسليحية قد دُمِّرت بنسبة 90-95%.
* طارق عزيز (نائب رئيس الوزراء العراقي):
* كان المحاور الرئيسي للمفتشين. انتهى به المطاف في السجن بعد الغزو وتوفي فيه عام 2015.
ثالثاً: الدروس المستفادة
أصبحت تجربة UNSCOM درساً مرجعياً في العلاقات الدولية حول:
* حدود القوة: كيف يمكن لدولة صغيرة تحت الحصار أن تستنزف المنظومة الدولية لسنوات.
* فشل الاستخبارات: كيف يمكن للمعلومات المضللة (مثل قصة كيرفبول) أن تغير مجرى التاريخ وتؤدي لحروب كبرى.
* مصداقية التفتيش: أثبتت التجربة أن المفتشين «على الأرض» هم المصدر الأكثر دقة، حتى لو كانت التقارير الاستخباراتية من الأقمار الصناعية تقول عكس ذلك.
الخلاصة:
بدأت UNSCOM كمهمة تقنية لنزع السلاح، وانتهت كجزء من أكبر أزمة سياسية في القرن الحادي والعشرين. اليوم، يُنظر إلى عمل هذه اللجان كدليل على أن العراق كان «خالياً من السلاح» فعلياً منذ منتصف التسعينيات، لكن «فقدان الثقة» واللعبة السياسية هما ما قادا للأحداث اللاحقة.