الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
لحظة الحقيقة.. هل يختار النظام الإيراني البقاء على حساب مشروعه النووي ؟

بواسطة azzaman

لحظة الحقيقة.. هل يختار النظام الإيراني البقاء على حساب مشروعه النووي ؟

عبد القادر حداد

 

في لحظةٍ تبدو وكأنها خلاصة أربعة عقود من الصراع والتحدي، يُطرح السؤال الأكثر حساسية وصعوبة في تاريخ إيران الحديث: هل يمكن للنظام الإيراني أن يتخلى عن برنامجه النووي، بكل ما كلفه من عزلة وصراعات وتضحيات، في مقابل تجنب تهديد وجودي له من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل؟

منذ قيام الثورة في إيران عام 1979، سعت طهران إلى تثبيت نفسها كقوة إقليمية، وكان البرنامج النووي أحد أبرز أدوات هذا الطموح. لم يكن مجرد مشروع تقني أو علمي، بل تحول إلى رمز سيادي، وعنوان لمواجهة الضغوط الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة . لكن هذا الطريق لم يكن سهلاً. فقد دفعت إيران أثماناً باهظة: عقوبات اقتصادية خانقة، عزلة دولية، اغتيال علماء نوويين، وتوترات داخلية وخارجية لا تنتهي. كما ارتبط البرنامج النووي بتشكيل شبكة نفوذ إقليمية، من خلال حلفاء وأذرع في عدة دول، ما جعله جزءاً من منظومة استراتيجية متكاملة، وليس مجرد ملف قابل للمساومة . اليوم، حين يُطرح خيار “تسليم اليورانيوم وإيقاف التخصيب”، لا يُفهم هذا الطرح في الداخل الإيراني والأوساط الإقليمية والدولية كتنازل تقني، بل كإلغاء لمسار طويل من الشعارات والتضحيات. كيف يمكن لنظام قدّم مرشده الأعلى وقادته وعلماءه، وواجه ضغوطاً هائلة، أن يتراجع وكأن شيئاً لم يكن؟ كيف يمكن تبرير ذلك أمام الداخل الإيراني بالدرجة الاساس، والذي تم تعبئته لعقود على أن هذا البرنامج هو حق سيادي غير قابل للتنازل؟

رواية داخلية

الأمر لا يتعلق فقط بالقرار السياسي، بل بهوية النظام نفسه. فالبرنامج النووي أصبح جزءاً من شرعيته، وأداة لتعزيز موقعه في مواجهة خصومه. أي تراجع جذري قد يُفسر على انه ضعف، وفرصة للضغط أكثر . إذا ما افترضنا أن إيران ستتجه فعلاً نحو خيار إيقاف التخصيب وتسليم اليورانيوم، فإن هذا القرار لن يكون لحظة استسلام بقدر ما سيكون « اعادة تعريف للمرحلة « . في هذه الحالة، سيعمل النظام الايراني على صياغة رواية داخلية جديدة، لا تقوم على التراجع، بل على « الانتصار السياسي « . قد يُقدَّم القرار على أنه خطوة تكتيكية لحماية الدولة من خطر أكبر، أو كتحول ذكي جنّب البلاد تدميراً كاملاً . فالدول لا تعلن هزائمها، بل تعيد تسميتها بما يحفظ تماسكها الداخلي وصورتها امام مواطنيها وحلفائها والعالم، حتى ولو كانت التسمية غير مقنعة . في المقابل، لن يكون هذا القرار ان حدث بلا مقابل. فمن غير المرجح والمنطقي أن يقدم النظام الإيراني على خطوة بهذا الحجم دون ضمانات حقيقية: رفع شامل للعقوبات، اعتراف بدوره الإقليمي، وربما تفاهمات أوسع تتجاوز الملف النووي إلى ملفات النفوذ والأمن في المنطقة. أي أن التخلي عن التخصيب لن يكون نهاية الصراع، بل انتقاله إلى ساحات أخرى أقل كلفة وأكثر مرونة . إقليمياً، سيُنظر إلى هذا التحول بعيون مختلفة. بعض الأطراف قد تراه تراجعاً استراتيجياً، فيما قد يعتبره آخرون ولاسيما حلفاء النظام الإيراني، إعادة تموضع ذكية تتيح لإيران الحفاظ على نفوذها دون تحمل كلفة المواجهة المباشرة، إلى جانب من سيراه انهزاما واستسلاما . أما داخلياً، فالتحدي الأكبر سيكون في كيفية إقناع جمهور اعتاد على خطاب الصمود بأن ما حدث ليس تنازلاً واستسلاما، بل ضرورة فرضتها موازين القوى ؟

في النهاية، إذا مضت إيران فعلاً نحو إنهاء برنامجها النووي وتسليم اليورانيوم المخصب، فإننا لن نكون أمام مجرد تعديل في السياسات، بل امام تحول استراتيجي حاد يطوي واحدا من اكثر الملفات حساسية . غير أن هذا القرار على ثقله، لن يُقاس فقط بما يُسلَّم أو يُوقَف، بل بما سيترتب عليه: هل سيمنح النظام فرصة لإعادة تثبيت نفسه داخلياً، أم سيفتح الباب أمام تساؤلات أعمق حول جدوى المسار الذي سلكه لعقود؟ وهل سيُترجم خارجياً إلى تهدئة مستدامة، أم إلى جولة جديدة من الضغوط بشروط مختلفة ؟

هنا، لا تنتهي القصة عند لحظة التوقيع، بل تبدأ مرحلة أكثر تعقيداً: مرحلة « اختبار النوايا «، و ما إذا كان التراجع قادراً فعلاً على شراء الاستقرار أم أنه مجرد تأجيل لصراع لم تُحسم أسبابه بعد .


مشاهدات 81
الكاتب عبد القادر حداد
أضيف 2026/04/18 - 3:52 PM
آخر تحديث 2026/04/19 - 4:05 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 192 الشهر 15644 الكلي 15233717
الوقت الآن
الأحد 2026/4/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير