حين لا تصطدم الطيور.. لماذا نحن؟
صالح رضا
أتذكر جيدًا، وأنا طفل في سنواتي الأولى بين الابتدائية والمتوسطة، كيف كنت أقف طويلًا أحدّق في السماء. لم تكن سماء مدينتي مجرد فضاء أزرق، بل كانت مسرحًا حيًا لعجائب لا تنتهي. أسراب طيور الزرازير كانت ترسم لوحات متحركة، تموجات متداخلة، تتشكل وتتفكك كأنها كائن واحد يتنفس.
كانت السماء تَغْمق حين تشتد كثافة الطيور، وتفتح حين تتباعد، في سيمفونية بصرية لا يمكن لفنان أن يخطط لها، ولا لفرشاة أن تضاهيها. ومع ذلك، وبرغم السرعة الهائلة، لم أرَ يومًا طائرًا يصطدم بآخر. كانت حركة جماعية دقيقة، وكأن هناك قانونًا خفيًا ينظم هذا الجمال.كنت سعيدًا فقط لأنني أشاهد… لأنني أتعلم دون أن أدري.
وعلى الأرض، كانت تلك الطيور تتجمع بأعداد هائلة قرب معامل التمور، في مشهد لا يقل دهشة عن طيرانها. بين السماء والأرض، كنت أعيش درسًا بصريًا مبكرًا، زرع في داخلي حب الطبيعة والريف، وجعلني أرى العالم كلوحة قبل أن أعرف معنى الفن.
لكنني اليوم، وأنا أستعيد تلك المشاهد، أتوقف عند سؤال مؤلم:إذا كانت الطيور، في ازدحامها، لا تصطدم…فلماذا نصطدم نحن؟
حين نرسم، تتزاحم الألوان كما تتزاحم الطيور. تقترب، تبتعد، تغمق، تفتح، تتداخل… لكنها في النهاية تصنع لوحة جميلة. الاختلاف داخل اللوحة هو سر جمالها، لا سبب خرابها.أما خارج اللوحة، في عالم الفنانين والمثقفين، يتحول هذا الاختلاف إلى صراع. تبدأ الغيرة، ويظهر الحسد، ويصبح الإبداع نفسه ساحة تصادم بدل أن يكون مساحة تناغم.
ما الذي نفتقده؟ هل فقدنا ذلك (القانون الخفي) الذي كانت الطيور تعرفه بالفطرة؟ ربما المشكلة ليست في كثرتنا، بل في وعينا.فالطيور لا تفكر بمن يكون الأجمل، ولا من يستحق السماء أكثر.إنها فقط تطير معاً.
أما نحن، فنريد أن نكون اللوحة كلها، لا لونًا فيها.
لقد علمتني الزرازير درسًا لم أفهمه إلا متأخرًا: الجمال الحقيقي لا يولد من التشابه، بل من التناغم…ولا يعيش في الصراع، بل في القبول.فهل نستطيع، نحن الفنانين، أن نتعلم من الطيور… كيف نبدع دون أن...