تطواف الغريب (15)
حسن النواب
تعوَّدنا زيارة ورؤية المعارض الفنية في القاعات المغلقة والساحات والحدائق العامة وربما على أرصفة الشوارع في بعض المدن، ولكن أنْ نراها تُقام على شواطئ الأنهر والمحيطات، فهو أمر يدعو إِلى الاستغراب والدهشة والفضول، وهذا ما جرى على سواحل المحيط الهندي في مدينة بيرث الأسترالية، حيث أقيم معرض للأعمال النحتية في الهواء الطلق على رمال شاطئ «كوتسلو» وهو المصيف الشهير في هذه المدينة، والذي يزورهُ مئات الآلاف من السائحين في كل عام. ومبتكر فكرة إقامة المعارض الفنية والنحتية على الشواطئ الرملية؛ شاب أسترالي لا يتعدَّى عمره الثلاثين سنة، بدأها عام 2005، وقد نجحت فكرته المبتكرة أيما نجاح خلال سبع سنوات، وانتشرت في جميع المدن الشاطئية في العالم؛ ولتدرَّ عليه هذه الفكرة النافرة من حيث لا يحتسب شهرة وثروة وفيرة لم يكن يتوقعها مطلقاً. أتيح لي فرصة حضور هذا المعرض في عام 2011 الذي اشترك فيه أكثر من سبعين عملاً إبداعياً من مختلف بقاع العالم؛ كان بينهم الفنان العراقي المبدع إياد القره غولي، وهي السنة الثانية التي يشترك فيها مع فنانين معروفين وكبار بهذه الفعالية الفنية العالمية. لما وصلت إِلى ساحل ※ Cottesloe” كنتُ في حيرة من أمري، من أين أبدأ في معاينة وتأمل تلك الأعمال النحتية التي تباينت طرق التصميم والتنفيذ في أشكالها المثيرة والتي انتشرت على مساحة كيلومترين من ساحل المحيط الهندي، انتابني شعوراً بالحبور والزهو والفخر حين شاهدت نصب الفنان العراقي إياد القره غولي وقد احتل مكاناً حيوياً بين تلك الأعمال الفنية المبهرة، وإِلى جنب تحفة فنية لنحات شهير في بريطانيا يدعى السير ※ Anthony Alfred Caro OM ※، توقفتُ أتطلع إِلى ما أبدعت أنامل القره غولي السومرية من تكوين برونزي جذَّاب يستحق الإشارة والانتباه. «قبلة الوداع» هذا هو اسم النصب البرونزي الذي أبدعته أصابع وخيال الفنان إياد القره غولي، وأية قبلة فراق كانت؛ غريبة وساحرة في آن واحد، إذْ عمد هذا الفنان العراقي الموهوب على تثبيت كرسي عملاق بارتفاع عشرين متراً فوق كثبان رملي من تكوين الطبيعة ثم شيَّدَ على أحد أضلاع الكرسي من حيث قمة المسند كائناً عاشقاً أشبه بالملاك يقف على قدم واحدة على حافة المسند الأيسر من الكرسي العملاق؛ بينما ترك العاشقة عائمة بالفضاء وجعل فمها يلتصق بفم العاشق بشغفٍ جارفٍ، مترجماً لنا قبلة الوداع العنيفة تلك؛ والتي كانت نقطة الارتكاز لتحليقها في الفضاء؛ وبمشهد بانورامي تقف أمامه منذهلاً من براعة الفنان وقدرته على تطويع البرونز في تخوم الفضاء وفق تقنية عالية وحس مرهف ومثير، وربما هو العمل الفني الوحيد الذي يجبر المشاهد على رفع رأسه عالياً حتى يرى سحر تكوين هذا النصب، ومكمن هذا السحر أنك ترى كائناً هائلاً من البرونز يحلِّقُ في الهواء وبدون جناحين وعلى ارتفاع شاهق؛ تكاد تتوهَّم أنه يلامس السحب السارحة في سماء مصيف « كوتسلو»، ولولا فم العاشق الذي يقف مثل بهلوان في سيرك على حافة الكرسي العملاق؛ وقد جعل منهُ الفنان القره غولي مركز الثقل للعاشقة المحلقة في السماء وهي تلصق شفتيها بفم العاشق الولهان؛ لما تحققت فكرة النصب بهذا التجلِّي. ولذا ليس عجباً حين علمتُ أنَّ أحد الزائرين الأثرياء قد اشترى هذا العمل الفني البديع بعد ساعة من بداية المعرض؛ وبثمنٍ وصل إِلى أكثر من خمسين ألف دولارا؛ وكيف لا يباع بهذا الثمن مادامت تلك القبلة السومرية التي ابتدعها الفنان القره غولي كانت عراقية دماً ولحماً وبامتياز.
يتبع..