العراق بين الزيتونة والشوكة
أحمد جاسم الزبيدي
كعادة كل عراقي أرهقته الغربة، تجدني أتنقّل بين نشرات الأخبار كما لو أني أبحث عن رائحة خبزٍ خرج تواً من تنور الوطن. في الماضي، كنا ننتظر مكالمة هاتفية متقطعة أو رسالة متأخرة لنفهم ما يجري. أما اليوم، فقد صار العالم—كما يقال—قرية صغيرة، بل غرفة صغيرة داخل هاتف، تتدفق منه الأخبار لحظة بلحظة، ساخنة تازه باللهجة العراقية.
لكن، ورغم هذا السيل الجارف من المعلومات، يبقى الفهم غائباً أحياناً. منذ انتخاب الرئيس، وقرار انسحاب الحزب الديمقراطي الكردستاني، والأخبار تتساقط علينا كالرصاص في “فزعة عشائرية”: بيانات، تحليلات، تسريبات، وتصريحات متضاربة، حتى أصبح المشهد أقرب إلى ضباب كثيف لا ترى فيه من هو “الرجل” ومن هو “الحما”، كما يقول مثلنا الشعبي.
في خضم هذا الارتباك، قفزت إلى ذهني طرفة قديمة، لكنها تبدو اليوم أكثر راهنية من أي تحليل سياسي.
يُحكى أن فلاحاً بسيطاً زار المدينة لأول مرة، ودخل مطعماً ليتناول فطوره. وُضع أمامه صحن زيتون، وكان يرى الزيتون للمرة الأولى. نظر حوله، فشاهد أحد الزبائن يتناول حبة الزيتون بشوكةٍ بأناقة، فقرر تقليده. لكن الزيتونة، على ما يبدو، لم تعجبه كمبتدئ، فكلما حاول غرزها بالشوكة، قفزت منه كفأرٍ مذعور!
أعاد المحاولة مرةً ومرتين وثلاثاً، حتى كاد يفقد أعصابه. عندها، لاحظه أحد الجالسين، فاقترب منه قائلاً بثقة:
-عمي، شوف هيچ...
وأخذ الشوكة منه، وغرز الزيتونة بسهولة، ثم قدمها له مبتسماً.
لكن الفلاح، بدل أن يشكره، انتفض غاضباً وقال:
- جاي تعلمني؟! مكيف بعد ما دوّخته أني! إنت اجيت وصدتها!
هنا، تتوقف الضحكة… ويبدأ التأمل.
ما أشبه هذه الحكاية ببعض مشاهدنا السياسية اليوم. فليس كل من أمسك الشوكة قادراً على “اصطياد الزيتونة”، وليس كل من تدخل في اللحظة الأخيرة يحق له أن يتباهى بالإنجاز. بين المحاولة والفشل، وبين القفز المفاجئ للنجاح، تضيع معايير الكفاءة، ويختلط الجهد الحقيقي بالاستعراض العابر.
يا سادتي، المشكلة ليست في الزيتونة… بل فيمن يظن أن مجرد حمل الشوكة يؤهله لقيادة المائدة.
وهكذا يبقى العراق، بكل تعقيداته، أشبه بتلك الزيتونة المراوغة: تحتاج إلى مهارة حقيقية، لا إلى استعراض عابر… وإلى من يعرف كيف يلتقطها، لا من يدّعي أنه اصطادها بعد أن «دوّخها « غيره.