أحمد فياض المفرجي.. ذاكرةُ المسرح وصوته الخفي
محمد علي محيي الدين
وُلد أحمد فياض المفرجي عام 1936 في بغداد، في الأعظمية، حيث بدأت ملامح شغفه المبكر تتشكل بين الكلمة والصورة، بين الصحافة والفن، في بيئةٍ كانت تمور بالحياة الثقافية. أنهى دراسته الأولى هناك، ثم التحق بوظيفة مبكرة في وزارة العدل عام 1952، غير أن روحه لم تكن لتستقر في إطار الوظيفة، إذ كان منذ مطلع الخمسينيات مشدودًا إلى الأدب والصحافة، كأنما كان يبحث عن صوته الحقيقي في فضاء أوسع.
قادته هذه النزعة إلى معهد الفنون الجميلة، حيث درس التمثيل وتخرج عام 1964، مشاركًا في عدد من الأعمال المسرحية التي صقلت أدواته، وأكسبته خبرة عملية في فهم الخشبة وأسرارها. وفي العام نفسه، أقدم على تجربة جريئة حين أخرج مسرحية الشريط الأخير لـ صموئيل بيكيت، مقدمًا أحد أوائل نماذج مسرح اللامعقول في العراق، في خطوة تكشف عن وعي فني مبكر وانفتاح على التيارات العالمية.
غير أن ما ميّز أحمد فياض المفرجي حقًا، لم يكن تمثيله أو إخراجه فحسب، بل ذلك الهاجس العميق الذي استحوذ عليه: هاجس التوثيق. ففي زمنٍ كان فيه المسرح حدثًا عابرًا ينتهي بانتهاء عرضه، أدرك أن ما لا يُوثق يضيع، فكرّس جهده لتسجيل تفاصيل الحركة المسرحية والسينمائية في العراق، متابعًا العروض، وموثقًا أسماء الفنانين، حتى أولئك الذين غيّبهم النسيان.
عمل في الصحافة الفنية منذ وقت مبكر، محررًا في جريدة الزمان، ثم واصل حضوره عبر إشرافه على عدد من الصحف والمجلات، وكانت زاويته فنون مسرحية في جريدة الجمهورية سجلًا حيًا للحركة المسرحية، يقرأ فيه المتابع تاريخًا يتشكل يومًا بعد آخر.
ومع انتقاله عام 1973 إلى وزارة الثقافة والإعلام، وتعيينه في دائرة السينما والمسرح، وجد فضاءً أوسع لتحقيق مشروعه، فتدرج في مواقع عدة، وأسّس المركز الوثائقي للمسرح، وتولى إدارة قسم الأبحاث والدراسات، وأسهم في ترسيخ العمل التوثيقي بوصفه ركنًا أساسًا من أركان الثقافة الفنية.
حركة مسرحية
وقد انعكس هذا الجهد في مؤلفاته الكثيرة، التي تجاوزت الأربع والعشرين، وشكّلت بمجموعها أرشيفًا شبه متكامل للحياة الفنية في العراق. فمن كتبه المبكرة الحركة المسرحية في العراق (1965)، الذي يعد من أوائل المحاولات الجادة لرصد تاريخ المسرح العراقي، إلى كتابه مصادر دراسة المسرح في العراق (1979)، الذي وضع فيه خارطة للباحثين، مرورًا بكتابه المسرح في العراق (1987)، الذي يُعد من أهم المراجع في هذا المجال.
وفي ميدان السينما، قدّم أعمالًا لا تقل أهمية، مثل السينما في العراق وفنانو السينما في العراق ومصادر دراسة النشاط السينمائي في العراق، وهي كتب لم تكتفِ بالتأريخ، بل سعت إلى التحليل والتوثيق المنهجي. كما التفت إلى الرموز الفنية، فكتب عن الرواد، مثل كتابه حقي الشبلي… ذكريات في الفن والحياة، وإبراهيم جلال في التوثيق والإبداع، مستعيدًا سيرهم بوصفهم جزءًا من ذاكرة الفن العراقي.
ولم يغفل عن توثيق المواسم المسرحية، فأصدر سلسلة عن النشاط المسرحي في العراق، إضافة إلى دراسته مسرح الثمانينات في العراق، التي رصد فيها تحولات تلك المرحلة. كما اهتم بمسرح الطفل، وبالمهرجانات، فأصدر كتبًا عن مهرجان بغداد للمسرح العربي، فضلًا عن دراسات أخرى امتدت حتى موضوعات السينما العالمية وأساليبها.
ذاكرة فنية
هذا الإنتاج الغزير لم يكن مجرد جمعٍ للمعلومات، بل كان فعلًا ثقافيًا واعيًا، يسعى إلى بناء ذاكرة فنية متماسكة، يمكن أن يعود إليها الباحثون. لذلك لم تكد تخلو رسالة جامعية أو دراسة أكاديمية في المسرح أو السينما العراقية من الإشارة إلى أعماله، بوصفها مصادر لا غنى عنها.
وإلى جانب نشاطه البحثي، ظل حاضرًا في الحياة الثقافية، مشاركًا في المؤتمرات والمهرجانات داخل العراق وخارجه، وعضوًا في هيئاتها التحضيرية والتحكيمية، وممثلًا للعراق في محافل عربية وعالمية، وكان آخر مشاريعه تعاونًا مع منظمة اليونسكو، لم يُكتب له الاكتمال.
نال تكريمات عدة، أبرزها تكريمه عام 1992 بوصفه الرائد الأول للتوثيق المسرحي في العراق، وهو توصيف يلخص مسيرته أكثر مما يكرمه، إذ كان فعلًا الأب الروحي لهذا الحقل.
رحل في الأول من تموز عام 1996 إثر حادث مؤسف، تاركًا وراءه إرثًا لا يتمثل في كتبه وحدها، بل في تلك الروح التي آمنت بأن الفن لا يعيش بلا ذاكرة، وأن التوثيق ليس عملًا ثانويًا، بل هو الضمانة الوحيدة لبقاء الإبداع.
وهكذا، فإن أحمد فياض المفرجي لم يكن مجرد شاهد على تاريخ المسرح العراقي، بل كان صانعه الخفي، الذي حفظ تفاصيله من التلاشي، ومنح الأجيال اللاحقة فرصة أن تقرأ ما كان يمكن أن يُنسى.