الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
التاسع من نيسان.. الجرح الغائر في جسد الأمة

بواسطة azzaman

التاسع من نيسان.. الجرح الغائر في جسد الأمة

قتيبة آل غصيبة

 

في التاسع من نيسان عام 2003؛ لم يكن إحتلال بغداد مجرد حدث عسكري عابر في سجل الحروب، بل كان زلزالاً وجودياً ضرب قلب العراق وأعاد تشكيل ملامحه السياسية والاجتماعية والنفسية لعقود طويلة، في ذلك اليوم؛ انهارت الدولة أمام أنظار العالم؛ وأُحتُلت العاصمة التي كانت يوماً مركزاً للحضارة والعلم؛ ليس فقط بفعل القوة العسكرية الهائلة؛ بل أيضاً تحت وطأة روايات مضللة وأكاذيب كبرى صيغت بعناية لتبرير ما لا يمكن تبريره، لقد جاء الغزو تحت ذريعة امتلاك أسلحة دمار شامل؛ وهي الذريعة التي تبيّن لاحقًا زيفها؛ لكنها كانت كافية لفتح أبواب الجحيم على مصراعيها؛ وإطلاق واحدة من أكثر مراحل التاريخ الحديث مأساوية في العراق.

لم يكن ما جرى مجرد إسقاط نظام، بل كان مشروعًا متكاملًا لتفكيك دولة؛ وتفتيت مجتمع؛ وإعادة هندسة بلد بأكمله وفق مصالح قوى خارجية، في مقدمتها الولايات المتحدة، التي قادت هذا الغزو، وبمباركة ودعم غير مباشر من الكيان الصهيوني؛ التي رأت في إضعاف العراق هدفاً استراتيجياً طالما سعت إليه، لقد كان العراق؛ رغم كل ما مر به، يمثل قوة إقليمية لا يستهان بها؛ وكان إحتلاله وتدميره يعني إزالة أحد أهم مراكز التوازن في المنطقة؛ وفتح الطريق أمام واقع جديد قائم على الفوضى المنظمة.

أما الرواية الرسمية التي تم الترويج لها عالمياً، فقد تم صياغتها بإحكام، إعتمدت على التخويف والتضليل؛ واستندت إلى تقارير استخباراتية مفبركة أو مضخمة؛ قُدمت للرأي العام العالمي على أنها حقائق دامغة، ومع مرور الوقت؛ بدأت هذه الرواية تتهاوى؛ واعترف كثير من صناع القرار أنفسهم بأن المعلومات التي بُني عليها الغزو كانت غير دقيقة؛ بل في كثير من الأحيان مختلقة، لكن بعد ماذا؟ بعد أن دُمّر بلد بأكمله؛ وقُتل مئات الآلاف؛ وشُرّد الملايين؛ وانفتحت أبواب الفوضى التي ما زالت آثارها ممتدة حتى اليوم.

ولم يكن هذا المشهد ليكتمل دون دور أولئك الذين اصطفوا مع الغزو؛ سواء بدافع المصالح أو الأوهام أو الحسابات الخاطئة، بعض العناصر المحلية التي ظنت أن التغيير سيأتي على ظهر الدبابات؛ لتكتشف لاحقاً أنها كانت جزءاً من لعبة أكبر منها بكثير؛ وأن الثمن الذي تم دفعه كان أكبر من أي مكسب متخيل، وكذلك بعض الأنظمة العربية التي اختارت الصمت أو التواطؤ؛ ظناً منها أن النار لن تصل إليها؛  ولم تدرك أن انهيار العراق سيعيد تشكيل المنطقة بأكملها؛ وأن تداعيات هذا الحدث لن تقف عند حدوده.

هدف حقيقي

لقد كان الهدف الحقيقي أبعد بكثير من مجرد تغيير نظام سياسي، كان الهدف هو إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط؛ وتفكيك الدول القوية إلى كيانات ضعيفة متناحرة؛ يسهل التحكم بها وتوجيهها، كان الهدف السيطرة على موارد الطاقة الهائلة؛ وضمان تدفقها بما يخدم المصالح الغربية؛ وإبعاد أي تهديد محتمل عن الكيان الصهيوني؛ الذي استفاد بشكل مباشر من غياب العراق كقوة إقليمية مؤثرة، كما كان الهدف أيضاً  خلق نموذج يُراد تعميمه لاحقاً، يقوم على إسقاط الأنظمة بالقوة وإعادة بنائها وفق رؤية خارجية؛ حتى لو كان الثمن انهيار المجتمعات والدول.

وما تلا ذلك من سنوات لم يكن إلا ترجمة عملية لهذه الأهداف، لتفكيك مؤسسات الدولة؛ وحل الجيش؛ وإشعال الصراعات الطائفية؛ وتغذية الانقسامات الداخلية، كل ذلك لم يكن عشوائياً ؛ بل جاء ضمن سياق واضح أدى إلى إضعاف العراق وإبقائه في حالة عدم استقرار دائم، فقد تحول البلد الذي كان يوماً ما رمزاً للوحدة والقوة إلى ساحة صراع مفتوح؛ تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية، يدفع ثمنها المواطن البسيط الذي لم يكن له يد في كل ما جرى.

ومع ذلك؛ ورغم كل هذا الألم، فإن العراق لم يمت؛ ولم تنكسر إرادة شعبه، بقيت جذوة الحياة مشتعلة؛ وبقيَ الأمل قائماً في أن يستعيد هذا البلد عافيته؛ وأن يتجاوز محنته؛ وأن يعيد بناء نفسه من جديد، فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب التي تمتلك هذا العمق الحضاري وهذه القدرة على الصمود لا يمكن أن تُهزم إلى الأبد؛ مهما اشتدت عليها المحن.

إن ذكرى التاسع من نيسان ليست مجرد استعادة لحدث تاريخي، بل هي لحظة تأمل عميقة في ما جرى؛ ودعوة لفهم الدروس والعبر؛ حتى لا يتكرر المشهد مرة أخرى، إنها تذكير بأن الأكاذيب الكبرى قد تقود إلى كوارث كبرى؛ وأن الثمن دائماً يدفعه الأبرياء؛ وأن الأوطان لا تُبنى على أوهام، ولا تُستعاد إلا بإرادة أبنائها ووحدتهم.

خبير عسكري


مشاهدات 86
الكاتب قتيبة آل غصيبة
أضيف 2026/04/11 - 1:18 AM
آخر تحديث 2026/04/11 - 1:57 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 539 الشهر 8994 الكلي 15227067
الوقت الآن
السبت 2026/4/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير