الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
على أعتاب زمنٍ جديد

بواسطة azzaman

على أعتاب زمنٍ جديد

ثامر محمود مراد

 

في زمنٍ تُعاد فيه صياغة الخرائط بالحبر الخفي، لم تعد الأرض تُقاس بالمسافات، بل بوزن الظلال التي تُلقيها القوى فوقها.

كان المشهد أشبه بمسرحٍ عظيم، تتبدل فيه الأدوار بسرعة الريح؛ خطباءٌ يتحدثون عن الطـــــــمأنينة بينما ترتجف السماء من صمتٍ ثقيل، وجنودٌ يسيرون في طرقٍ لا تُرى على الخرائط، كأنهم يحرثون المستقبل بأقدامٍ من حديد.

هناك، في قلب العاصفة، لا تعود الكلمات بريئة. تُقال لتُخفي، وتُعلن لتُربك، وتُعاد لتصنع ضبابًا كثيفًا يحجب الرؤية. كل تصريحٍ يبدو كمرآةٍ مكسورة، يعكس جزءًا من الحقيقة ويبتلع الباقي. أما الشعوب، فتقف على أطراف الحكاية، تسمع صدى القرارات دون أن ترى وجوه صانعيها.

الرياح القادمة من الشرق لم تكن مجرد رياح؛ كانت اختبارًا لقدرة العالم على التماسك. طرق التجارة القديمة تتشقق، والممرات التي كانت شرايين للحياة تتحول إلى عقدٍ مشدودة حول أعناق الجميع. كل سفينةٍ تحمل أكثر من بضائع، تحمل رهاناتٍ، ومخاوف، وأحلامًا مؤجلة.

في الضفة الأخرى، بدت التحالفات كبيوتٍ قديمة، جميلة في ظاهرها، لكنها متعبة من الداخل. تتصدع بصمت، وتُرمم بالكلمات، بينما تتسلل الشكوك بين جدرانها. لم يعد الانقسام حادثًا طارئًا، بل احتمالًا دائمًا، كغيمةٍ ثقيلة لا تمطر، لكنها لا ترحل.

وسط هذا كله، يبرز الإنسان—بسيطًا، ضعيفًا، وعنيدًا في آنٍ واحد. هو الذي يدفع الثمن، وهو الذي يُطلب منه أن يفهم ما لا يُفهم. يُقال له إن العالم يتغير، لكن لا يُمنح الوقت ليلتقط أنفاسه. تُطلب منه التضحية باسم المستقبل، بينما حاضره يتآكل بين يديه.

ومع ذلك، ثمة بذرة لا تموت. في عمق الفوضى، تنبض فكرة خافتة: أن القوة الحقيقية لا تُقاس بما يُدمر، بل بما يُبنى. وأن الأمم التي تتعلم كيف تُنير عقولها، لا كيف تُشعل نيرانها، هي وحـــدها القادرة على عبور هذا الليل الطويل.

ربما نحن على أعتاب زمنٍ جــديد، لكن هذا الزمن لن يولد من صخب المدافع، بل من لحظة وعيٍ صامتة، حين تدرك الشــــعوب أن مصيرها لا يُكتب في الغرف المغلقة، بل في قدرتها على أن ترى بوضوح، وتختار بشجاعة، وتبني بما يكفي من الحكمة لتكسر دائرة الخراب.

هكذا، يبقى السؤال معلقًا في فضاءٍ مثقلٍ بالتاريخ: هل نتعلم أخيرًا كيف نصنع فجرنا بأيدينا، أم نظل ننتظر شروقًا يأتي دائمًا من جهةٍ أخرى؟

 

 

 

 


مشاهدات 57
الكاتب ثامر محمود مراد
أضيف 2026/04/07 - 2:36 PM
آخر تحديث 2026/04/08 - 12:30 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 30 الشهر 5967 الكلي 15224040
الوقت الآن
الأربعاء 2026/4/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير