الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
جيل يفتح عينيه على الحرب

بواسطة azzaman

جيل يفتح عينيه على الحرب

دعاء يوسف

 

في البيوت العراقية، لم تكن الحرب غريبة عن الأحاديث. كانت تُحكى كشيءٍ مضى، كذكريات ثقيلة يفرغها الكبار على شكل قصص، يضعون لها بداية ونهاية، ويحرصون أن تبقى داخل إطار “ما كان”.

الأطفال كانوا يستمعون، أحياناً بخوف، وأحياناً بفضول. يسألون عن أصوات الانفجارات، عن الظلام، عن الاختباء، عن المدارس التي أُغلقت. وكان الجواب دائماً يحمل شيئاً من الطمأنينة: “هذا كله صار زمان”.

لكن الزمن لم يبتعد كما ظنوا.

في إحدى الزوايا، يتحدث أب وهو يراقب ابنه يقترب من النافذة ثم يتراجع سريعاً عند أي صوت مرتفع:

كنت أريد أوصّل له فكرة، مو إحساس… ما كنت أريده يعيش الشعور نفسه.

في بيت آخر، أم تتابع مع طفلها نشرة الأخبار، لا لأنها مهتمة، بل لأن طفلها يصرّ أن يفهم:

يسألني هذا صوت حقيقي لو لا؟ مرات يحلف أنه سمع شي وأنا ما أسمع… صار يراجع كل شي.

الخوف لم يعد فكرة تُشرح، بل حالة تُعاش.

الطفل لم يعد متلقياً للحكاية، بل جزءاً منها.

في حديثٍ آخر، يسترجع جدّ وهو ينظر إلى أحفاده:

إحنا مرّينا بحروب هواي… كنا نكول خلص، الجيل الجاي ما يشوفها… بس شكلها ما تخلص.

بين جيلٍ ظن أنه أغلق صفحة الحرب، وجيلٍ وجد نفسه داخلها، تتكرر التفاصيل بشكل مؤلم:

نوافذ تُغلق مبكراً، أصوات تُفسَّر قبل أن تُسمع، مدارس تتوقف، وطفولة تُقاس بدرجة القلق لا ببراءتها.

في المدارس، لا يكون الغياب دائماً بسبب المرض، بل بسبب الخوف.

وفي البيوت، لا يكون الصمت راحة، بل ترقّباً.

أحد الأطفال أصبح يميز بين الأصوات، ليس من باب الفضول، بل كنوع من الحماية الذاتية.

طفل آخر ينام وهو يسأل إن كان الصباح سيأتي بشكل طبيعي.

هذه ليست تفاصيل عابرة، بل ملامح جيل يتشكّل تحت ضغط مستمر.

التركيز يتراجع، القلق يتقدّم، والشعور بالأمان يصبح فكرة بعيدة.

وسط كل ذلك، يظهر تساؤل يتردد بصوتٍ منخفض في أحاديث الكبار:

هل المرور بالحرب صار جزءاً من التجربة العراقية؟

هل يكبر الطفل هنا وهو يحمل احتمال الخوف كأمرٍ طبيعي؟

الأهالي لا يتحدثون بلغة التحليل، بل بلغة الندم الخفيف.

ندم لأن القصص التي أرادوا لها أن تبقى في الماضي، وجدت طريقها إلى الحاضر.

ولأن الأطفال الذين كانوا يُفترض أن يسمعوا فقط… صاروا يرون ويسمعون ويشعرون.

في نهاية كل حديث، يبقى شيء غير مكتمل.

كأن الجميع كان ينتظر لحظة يقول فيها: (انتهت).

لكن هذه الكلمة، حتى الآن، لم تُقال.

 

 


مشاهدات 47
الكاتب دعاء يوسف
أضيف 2026/04/07 - 2:35 PM
آخر تحديث 2026/04/08 - 12:30 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 29 الشهر 5966 الكلي 15224039
الوقت الآن
الأربعاء 2026/4/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير