الغموض المقصود.. تنسيقٌ يُدار بصمت وتوريطٌ يتكشّف في واشنطن
محمد علي الحيدري
في خطابه يوم الأربعاء، لم يكن تجاهل دونالد ترامب لتفصيلات التنسيق العسكري مع إسرائيل مجرد خيار لغوي أو حذر بروتوكولي، بل عكس مأزقاً سياسياً أعمق يتشكّل داخل الولايات المتحدة نفسها. فالحرب الجارية على إيران تُدار عملياً بتنسيق أميركي-إسرائيلي متكامل، لكن خطاب ترامب يتصرّف كما لو أن هذا التناغم الميداني تفصيل يمكن تجاوزه.
في واشنطن، يتردد على نطاق أوسع رأي يقول إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لم يكتفِ باستثمار الدعم الأميركي، بل دفع بإيقاع الحرب إلى ما يتجاوز الحسابات التي أرادها ترامب. وفق هذا الطرح، دخل ترامب المواجهة باعتبارها أداة ضغط محدودة، فيما دخلها نتنياهو كحرب ضرورة داخلية ووجودية، لا تحتمل أنصاف الحلول ولا سقوفاً منخفضة.
هذا التباين في المنطق هو جوهر المعضلة. فكلما تسارع الإيقاع العسكري وارتفعت كلفة الاشتباك، تقلّص هامش ترامب للمناورة أو التراجع. الاعتراف العلني بتفصيلات التنسيق يعني، عملياً، الإقرار بأن واشنطن باتت شريكاً كاملاً في حرب تُدار وفق أولويات إسرائيلية، لا وفق معادلة “الضغط المحسوب” التي حاول ترامب تسويقها داخلياً.
تنسيق كامل
هنا، يصبح الصمت أداة دفاع سياسي. فترامب يدرك أن الكشف عن غرف العمليات المشتركة، أو طبيعة تبادل المعلومات، أو حجم الإمدادات، سيحوّل الحرب من خيار يمكن تبريره انتخابياً إلى تورّط مباشر يصعب احتواؤه. ولهذا، فضّل إدارة التناقض: تنسيق كامل في الميدان، وغموض متعمّد في الخطاب.
لكن هذا الغموض لم يمر من دون أن تلتقطه طهران وحلفاؤها. فبحسب قراءات أميركية، تعاملت إيران مع الحرب ليس فقط كمواجهة عسكرية، بل كساحة لفضح التباين داخل المعسكر المقابل. كلما بدا نتنياهو صاحب الإيقاع الميداني، وكلما بدا ترامب حذراً أو متحفظاً خطابياً، تعزّزت سردية أن واشنطن تُستدرج ولا تقود، وأن قرار الحرب انزلق تدريجياً من البيت الأبيض إلى تل أبيب.
ومن هذا المنظور، لا يعود صمت ترامب مجرد غموض استراتيجي كلاسيكي، بل محاولة متأخرة لاستعادة صورة القرار المستقل. فهو يحاول أن ينكر، ولو خطابياً، حقيقة أن الحرب تجاوزت شروطه الأولى، وأنها باتت تُدار بمنطق لا ينسجم تماماً مع وعوده بتفادي الحروب المفتوحة.
الخلاصة أن ما لم يقله ترامب عن التنسيق مع إسرائيل كان أكثر خطورة مما قيل. فالصمت هنا ليس إنكاراً للواقع، بل اعترافاً ضمنياً بحدود السيطرة. وبين حرب تُدار بتناغم كامل، وخطاب يتجنب الاعتراف بذلك، تتشكل فجوة استغلها الخصوم بمهارة، وكشفت في الوقت نفسه هشاشة التوازن بين الحليفين حين تتباين الحسابات وتتشابك النيات.