الوطن ورغيف الخبز
ثامر محمود مراد
الوطن الذي يملك الخيرات، يشبه شجرةً عظيمةً تمتدّ جذورها عميقًا في الأرض، تتدلّى من أغصانها الثمار، وتتدفّق من حولها الأنهار، لكن أبناءها يقفون تحت ظلّها بأيدٍ فارغة، يحدّقون نحو الأعلى كأنهم غرباء عن نعمتها. لا ينقصهم الحبّ، ولا ينقص الأرض العطاء، لكن شيئًا ما انكسر في الطريق بين الجذر واليد، بين الخيرات والإنسان.
ليس الجوع دائمًا جوع المعدة؛ أحيانًا يكون جوع الكرامة. حين يصبح الرغيف حلمًا في أرضٍ تفيض بالقمح، يتحوّل الوطن إلى سؤالٍ موجع: كيف تضيع الثروة في الطريق إلى أهلها؟ وكيف يصبح الحلم صغيرًا إلى هذا الحد، حتى يختزل الحياة كلها في لقمة خبز؟
في المدن، تمشي الوجوه صامتة، تحمل تعب السنوات كأنها أكياس غير مرئية. يتحدّث الناس عن الأوطان كما يتحدّث العشّاق عن حبيبةٍ بعيدة: يذكرون جمالها، ويخفون خيباتهم في الصدر. فالخيرات موجودة، نعم، لكن الفجوة بين الواقع والحلم صارت أوسع من أن تُردم بكلمات مطمئنة.
الوطن ليس خريطةً ولا نشيدًا فقط؛ الوطن هو أن يعود الأب إلى بيته وفي يده ما يكفي ليبتسم أطفاله بلا خوف. هو أن يشعر الإنسان أنّ الأرض التي ولد عليها لا تختبر صبره كل يوم، ولا تجعله يفاوض الحياة على أبسط حقوقه. حين يحلم المواطن برغيف، فذلك يعني أن شيئًا من العدالة ضاع، وأن الميزان اختلّ، وأن الأصوات التي كان يجب أن تسمع صمتت طويلًا.
ومع ذلك، يبقى في القلب إيمانٌ غريب. فالأرض التي تعطي كل هذا لا بدّ أن تستيقظ يومًا، ولا بدّ أن تعود الخيرات لتسلك طريقها الصحيح. لأن الوطن، في جوهره، ليس ما نملكه فقط، بل ما نستحقه أيضًا. وأبناء الوطن لا ينبغي لهم أن يحلموا بالرغيف… بل أن يحلموا بمستقبلٍ أوسع من الجوع، وأجمل من الانتظار، وأكثر عدلًا من كل ما مضى.
فحين يصبح الرغيف حقًا لا حلمًا، يبدأ الوطن الحقيقي بالولادة من جديد.