الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عنصرية إسرائيل من الداخل

بواسطة azzaman

عنصرية إسرائيل من الداخل

عبد الحسين شعبان

 

«نعيش في ظل نظام فصل عنصري» هذا ما قالته يولي نوفاك رئيسة منظمة بتسيلم الإسرائيلية غير الحكومية، (مقرها القدس)، وكانت قد وصفت الحرب على غزة بأنها «حرب إبادة» في مقابلة لها مع مجلة قنطرة أجراها غويث بوبه، علماً بأنها ولدت في تل أبيب العام 1982، وحصلت على إجازة في القانون، وخدمت كضابطة في سلاح الجو الإسرائيلي من العام 2000 ولغاية العام 2005. وتولّت إدارة منظمة «كسر الصمت» للمحاربين القدامى في الجيش الإسرائيلي حتى العام 2017.

وأتساءل هنا: ماذا لو جاء مثل هذا الرأي على لسان ناشط حقوقي عربي أو غير إسرائيلي؟ بالتأكيد سيكون اتهامه الأول معاداة السامية والدفاع عن «إرهابيين» متخلفين، يحاولون تشويه صورة الديمقراطية الإسرائيلية البازغة، لكن مثل هذا الرأي بدأ يأخذ طريقه إلى العديد من الإسرائيليين، الذين أخذوا يتلمّسون حجم الكارثة الإنسانية التي أوصلها إليهم استمرار الاحتلال الإسرائيلي.

جدير بالذكر أن السردية التي نشأ عليها الكثير من الإسرائيليين، صهاينة أو غير صهاينة، هي «حقهم التاريخي في فلسطين» الذي يرجعونه إلى النصوص التوراتية، باعتبارهم «شعب الله المختار»، فضلاً عن ذلك، أن الصراع مع الفلسطينيين إلغائي وإقصائي ولا يُمكن حلّه، فإما نحن وإما هم، ولذلك كانوا يبررون أي فعل لاستمرار استعمارهم الاستيطاني الذي يقوم على الفصل العنصري.

وبفعل تلك السردية الاستعلائية حكم «البيض» جنوب أفريقيا لأكثر من قرنين من الزمن، ولو قارنا نظام الأبرتايد في جنوب أفريقيا بنظام الأبرتايد في إسرائيل، سنرى أن منسوب العنف في الأخيرة أقسى وأشد وأبشع، إذْ أنه اتخذ من الاستيطان والإجلاء والتمييز وحرب الإبادة سياسة يومية كما حصل في غزة مؤخرًا، في الوقت الذي تتسّع فيه عملية الاستيطان في الضفة الغربية، حيث يجري العمل على إعادة ضمّها «قانونيًا» إلى إسرائيل.

لا يدرك الكثير من الإسرائيليين، حيث المجتمع المنغلق على قيم العنصرية والتسيّد، أنهم يعيشون في ظل نظام عنصري، يقسّم الحيّز المكاني بطريقة تجعلهم متميزون عن بقيّة السكان العرب الذين يعيشون درجة أدنى من المواطنية، خصوصًا بعد القانون الذي أصدره الكنيست باعتبار إسرائيل دولة يهودية في العام 2018.

وتصيب هذه الامتيازات التي يمنحها النظام لليهود، الكثيرين منهم بالعمى، فتراهم يأخذون بالدعاية السوداء التي يبثّها النظام، ويبررون العنف الذي يقوم به ضدّ الفلسطينيين، وهم أهل البلاد الأصليين، طالما أنه لا يؤثر عليهم.

كما لا يدرك الكثير من الإسرائيليين، بل والداعمين لها في الغرب التناقض الحقيقي بين قيم المواطنة التي تقوم على الحريّة والمساواة والعدالة والشراكة والمشاركة، وبين الممارسات المتنكّرة لها طالما يخص الأمر مجموعة من السكان يعتبرون في نظرهم مصدرًا للإرهاب. وفي تلك البيئة غير الصالحة تنشر بذور التعصب الذي ينتج التطرّف، وهذا الأخير حين يتحول إلى سلوك يصير عنفًا، فما بالك حين تديره الدولة، فإنه يصبح إرهابًا منظمًا وموجهًا.

وحين يضطّر الفلسطينيون كرد فعل لاحتلال بلدهم واستلاب حقوقهم وانتهاك حياتهم اليومية، المقاومة دفاعًا عن النفس ومن أجل حق تقرير المصير والتحرّر الوطني، كما تجيز بذلك قواعد القانون الدولي، وميثاق الأمم المتحدة، ولاسيّما في المادة 51، فإن الدنيا تقوم ولا تقعد ويتّهمون بالإرهاب، وهو ما حدث في 7 تشرين الأول / أكتوبر 2023، والتي عُرفت بواقعة طوفان الأقصى.

هكذا يصبح الخطاب الإسرائيلي - الصهيوني تحريضيًا على الإبادة الجماعية وبطريقة لا إنسانية يتم تبرير ذلك من جانب حلفاء اسرائيل، على الرغم من أن انحيازًا غير مسبوق بدأ في الأواسط الأمريكية والأوروبية، لاسيّما بين الشباب والطلاب، بمن فيهم اليهود ضدّ حرب الإبادة وتضامنًا مع غزة.

 

 ولعل بعض أصداء تلك التحوّلات أخذت طريقها إلى الداخل الإسرائيلي، وأقتبس هنا فقرةً من تقرير منظمة بتسيلم (تموز/ يوليو 2025) الذي وصف حرب غزة بأنها حرب إبادة جماعية، خصوصًا باتّساع عمليات القتل الجماعي ضد المدنيين.

وعلى الرغم من المأساة الفلسطينية التي زادت عن ثلاثة أرباع القرن بفعل النظام العنصري، فإن العالم ما يزال متواطئًا، ولاسيّما القوى الكبرى المتنفذّة في العلاقات الدولية، حيث يفلت المرتكبون من العقاب، بل يجدون الذرائع والأعذار لارتكاباتهم، متناسين أن ثمة معادلة طردية، فطالما يوجد احتلال توجد مقاومة، وهو ما تؤكده وقائع التاريخ.

اليوم تشرّع إسرائيل قانونًا يقضي بإعدام الأسرى، وهو مستمدٌّ من القوانين العنصرية النازية التي استخدمت ضدّ اليهود، ومنها قانون نورمبرغ لعام 1935 (قانون حماية الشرف والدم الألماني)، وهو قانون غير مسموح به بالعفو أو تخفيف العقوبة إلى السجن المؤبّد، إلّا في حالات نادرة، ويُذكّر قانون إعدام الأسرى بقانون نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا (1948 – 1993) وقوانين المستعمرات البريطانية والفرنسية، وقبلها قانون محاكم التفتيش الإسبانية.

ويبدو أن نظام الأبرتايد الإسرائيلي لا يكتفي بممارساته العنصرية، بل إنه يريد وأد القانون الدولي لحقوق الإنسان، الذي نشأ في أعقاب المجازر التي شهدتها الحرب العالمية الثانية، بما فيها المحرقة اليهودية على يد النازيين، ولذلك يسعى إلى تعطيل الآليات الدبلوماسية والقانونية والاقتصادية لردع المنتهكين.

أكاديمي ومفكّر


مشاهدات 47
الكاتب عبد الحسين شعبان
أضيف 2026/04/05 - 4:06 PM
آخر تحديث 2026/04/06 - 1:46 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 65 الشهر 4339 الكلي 15222412
الوقت الآن
الإثنين 2026/4/6 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير