في مجموعته القصصية الجديدة.. عبد الأمير المجر يحاكم الذاكرة
علي إبراهـيم الدليمي
تعد المجموعة القصصية الجديدة "عودة الجد الكبير" للقاص والكاتب العراقي عبد الأمير المجر، والصادرة مؤخراً عن منشورات الإتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، وثيقة سردية موزونة، تتجاوز حدود الحكاية لتدخل في منطقة "النقد الحضاري والاجتماعي" للواقع العراقي والعربي، ومحطة إبداعية هامة في مسيرة كاتب خبير تمرس في فن السرد والمقالة الثقافية لسنوات طويلة.
فهو يشتغل بمبضع الجرّاح، مفككاً المسلمات التاريخية والاجتماعية عبر لغة تمتاز بالبساطة الآسرة والعمق الفلسفي المباغت، ويشرع نوافذ السرد على عوالم تمزج بين الواقعي والفانتازي، حيث يفتتح مجموعته بعبارة فلسفية صادمة تقوض الموروث الجامد: "لا حقائق كاملة في التاريخ مهما أخلص المؤرّخون.. والفخر بالأجداد غالبا ما يتّكئ على سرديات مزيفة!".
ومن هذا المنطلق، تبحر قصص المجموعة في تضاريس الذاكرة العراقية المثقلة بالحروب، الفقد، والتحولات الاجتماعية الكبرى، مستخدمة لغة رشيقة قادرة على تطويع القسوة وتحويلها إلى مشهدية أدبية مؤثرة.
ضمت المجموعةُ أربعاً وعشرينَ قصة قصيرة"، اتسمت جميعها بالخصائص الأسلوبية، من حيث اللغة المحايدة في استخدامه لغة هادئة، بعيدة عن الصراخ الإنشائي، مما يجعل الصدمة القصصية أكثر تأثيراً.
كذلك نلمس جلياً السرد الدائري في تكرار ثيمات العودة، الرحلة، والبحث، مما يعطي المجموعة وحدة موضوعية متماسكة، ونهايات مفتوحة مطلقة، إذ لا يقدم حلولاً، بل يترك أبطاله (وقراءه) في حالة تساؤل مستمر أمام أبواب موصدة أو آفاق ضبابية.
يبدأ المجر، بمصادرة "اليقين" لدى القارئ منذ الصفحة الأولى. قوله: "الفخر بالأجداد غالبا ما يتّكئ على سرديات مزيّفة" ليس مجرد جملة عابرة، بل هو مفتاح تأويلي للمجموعة كاملة.
إنه يهاجم "الأصولية" ليس بمعناها الديني المتطرف فحسب، بل بمعناها الاجتماعي الذي يقدس الماضي والنسب على حساب الحاضر والإنسان، وتفكيك الهوية والنسب في (قصتا "عودة الجد الكبير" و"رحلة العائلة")، ففي قصة "عـودة الجد الكبير"، نجد ذروة الاشتغال على مفهوم "الأسطورة المحطمة"، إذ استخدام "الواقعية السحرية"، (عودة ميت للحياة) لم يكن لهدف تشويقي، بل لهدف تنويري.
الجد الذي يمثل "الأصل" يعترف بـ "عقمه"، وهي إشارة رمزية بليغة إلى عقم الأفكار الموروثة التي نتفاخر بها. الصدمة التي أصابت الأحفاد (أبناء الفلاحين والحمالين) هي دعوة من المجر للعودة إلى "إنسانية المصير" بدلا من "قداسة المنبت".
أما في "رحلة العائلة"، فيستمر القاص في ملاحقة وهم "الإرث"، الرحلة الأبدية للبحث عن "البيت الكبير" تنتهي باكتشاف أن الجد هو محض "سراب" أو طيف.
هنا يطرح المجر تساؤلاً وجودياً: هل نحن نعيش حياتنا أم نعيش "رحلة" بحث عن أوهام أسلافنا؟
وتعد مرايا الذات والزمن (قصة "مرآتي في اليوم الخامس")، من أجمل النصوص السيكولوجية في المجموعة، فالمرآة هنا ليست أداة انعكاس فيزيائي، بل هي "خزان ذاكرة"، تقسيم الذات إلى خمس مراحل (الفتى، المحارب، المحاصر جائعاً، الخائف، والشيخ الوحيد)، هو تلخيص مكثف للمأساة العراقية عبر نصف قرن، والحوار بين هذه "الذوات" يكشف حجم الشروخ النفسية التي خلفها الزمن والحروب، لينتهي النص بسؤال مرّ عن "الوحدة" رغم ازدحام الذاكرة بالوجوه.
ويقدم المجر في (قصة "الطوق والفضاء") قراءة نقدية حادة للمثقف "الموسوعي" الذي غرق في الكتب (سارتر، ماركس، ابن رشد..) لدرجة الانفصال عن الواقع. مشهد العراك بين الفلاسفة والزعماء داخل "أحشاء" البطل هو تصوير عبقري لحالة التشتت الذهني. المفارقة تكمن في نهاية القصة؛ حيث الفلاح البسيط يعيش حياته بسلام وسعادة "واقعية"، بينما المثقف يطارد "كتاباً طائراً" في الفضاء، غريباً عن قريته وأهله.
(قصتا "يوم الإعصار الرهيب" و"القطار القديم")، في "يوم الإعصار الرهيب"، تتحول الطبيعة إلى قوة تدميرية تخلخل الروابط الأسرية.. قصة الضياع والبحث عن الأم هي استعارة لضياع الإنسان في منعطفات التحولات الكبرى.
أما "القطار القديم"، فهو رمز كلاسيكي للحياة، لكن المجر يمنحه خصوصية "كابوسية"، القطار الذي لا يعرف له مقدمة ولا مؤخرة، والركاب الذين يتساقطون من الأبواب، هو تصوير لعدمية الوجود والزمن الذي يسرق منا أحباءنا ويتركنا في "هذيان" الرحلة المستمرة.
الفانتازيا السياسية والتحول الجسدي في (قصتا "رؤوس" و"زمن الفتى الجميل")، حيث ينتقل المجر في هاتين القصتين إلى "الفانتازيا السوداء" لنقد الواقع الراهن، "رؤوس": هي صرخة ضد "الانقسام" والهويات المتعددة المتصارعة داخل الجسد الواحد (الوطن)، تعدد الرؤوس التي يضرب بعضها بعضاً هو تمثيل سريالي للصراع السياسي والاجتماعي الذي يمزق الهوية الوطنية.
زمن الفتى الجميل"، نص نقدي بامتياز لسطوة "الميديا" و"السياسة" على الإنسان. تحول البطل إلى "أذنين طويلتين" و"عينين جاحظتين" هو تصوير كاريكاتيري للإنسان المعاصر الذي تحول إلى مجرد "جهاز استقبال" للأخبار والندوات، ففقد ملامحه الإنسانية وجماله الفطري ليصبح "مسخاً" إعلامياً.
التلاشي الوجودي (قصة "الباب الأخير")، إذ ينهي الكاتب رحلته السردية بـ "التضاؤل"، الإنسان الذي يبدأ "عملاقاً" يتباهى بجسده، ينتهي "أصغر من حجم الكف". القصة هي تأمل في حتمية الفناء، لكنها أيضاً تشير إلى أن "الباب الأخير" (الموت) هو الحقيقة الوحيدة التي تتسع للجميع مهما تضاءلت أحجامهم.
عبد الأمير المجر في "عـودة الجد الكبير" يمارس فعلا "تطهيريا" من أوهام التاريخ والسياسة. إنه ينتصر للإنسان الفرد، المتألم، والمحاصر بالأسئلة، داعياً إياه لتحطيم "أصنام الأجداد" والبحث عن "بيته" في الحقيقة لا في السراب.
ولد القاص عبد الأمير المجر عام 1962 في محافظة ميسان، أديب، كاتب سياسي، وصحفي محترف، رئيس تحرير جريدة (الاتحاد الثقافي) الصادرة عن اتحاد الأدباء والكتاب في العراق.
عضو في كل من: المجلس المركزي للاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق. الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، نقابة الصحفيين العراقيين، واتحاد الصحفيين العرب.
يمتلك رصيداً غنياً من الإصدارات التي تنوعت بين القصة والرواية والمقال، منها، في القصة: (تهجدات الصحارى 1999)، (ليلة العصفور الأخير 2001)، (ما لا يتبقى للنسيان 2015)، وآخرها (تمثال الملك الباكي 2024). أما في الرواية: (مستنقع الأفاعي 2000)، و(حزيران الجهات الأربع 2001).
وفي الفكر والمقالات: (الأصولية الثقافية 2023)، و(الحراثة في دهاليز مغلقة 2021).
حاز جائزة الدولة للإبداع (2024) عن مجموعته القصصية "تمثال الملك الباكي". وجائزة الدولة التشجيعية للإبداع (مرتان): عامي 1999 و2001. مستمر في العمل الصحفي منذ عام 1997 في كبريات الصحف والمجلات. كاتب مقال رأي بارز في الشؤون الثقافية والسياسية محلياً وعربياً.