الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عصر الثورات الأيديولوجية، أفولٌ أم عودةٌ للماضي

بواسطة azzaman

همسات ساخنة... ومضات هادئة

عصر الثورات الأيديولوجية، أفولٌ أم عودةٌ للماضي

لويس إقليمس

 

 

أكتب في هذا الموضوع الشائك مقرًّا بعدم اختصاصي في ماهيته العميقة وطبيعة نشأته وسلوكه وروّاده والساعين فيه سواءً لزعزعته أم لإحياء ما شاؤوا وما استطاعوا بلوغه بالعودة بتاريخه وآثاره وإعادة إحيائه في عصر الحداثة والتطور والذكاء الاصطناعي بكل أبعاده ومسمياته وقياساته. ليس من شكّ بوجود نوايا أو بقايا إرادات تسعى لإعادة تجارب عالمية فاشلة ولّت واندحرت أمام إرادات التحرّر بكلّ أشكالها وصورها وأدواتها. ولعلّ من هذه النماذج ما يردُ لأذهاننا من شخصيات جدلية تتصف برؤوس عنيدة ماتزال تحمل في ثناياها بعضًا من غطرسة ماضٍ سياسي مفعم بالأيديولوجيا المتزمتة التي سعت في مشوارها العملي عبر سياستها الدولية لإجهاض أية مساعٍ تمنح البشرية والشعوب ما تستحقه من حريةٍ ورفاهةٍ وراحة اجتماعية في التعبير وبيان الرأي واحترام الآخر والإقرار بخياراته الشخصية والمجتمعية والسياسية. لستُ بصدد توجيه انتقاد ما لشخصيات أو أفرادٍ يسعون اليوم بشتى الوسائل لاقتناص أية فرصة محلية أو مناطقية أو دولية من أجل إعادة دولهم إلى ماضيها المتورط بشكلٍ ما وبطريقة ما بمنهج العصور الأيديولوجية التي فرزت ثورات مشبوهة ومتناقضة في المبادئ أحيانًا مع أية مفاهيم منفتحة تحمل أبعادًا إنسانية بحتة تُسهم وتعمل على تشارك عامة الشعب مع السياسة العليا للدولة أو الجهة الحاكمة، دينيةً أم مدنية، وفق مبادئ حرية الاعتقاد والحركة والتنقل والرأي والعلم من دون ملاحقة بوليسية أو بطش أمني كما شهدها العالم في حقبات سابقة من القرن العشرين حيث ارتفعت أصوات تلك الثورات الأيديولوجية مستفيدة أو مستغلّةً التطورات السياسية الناجمة في معظمها عن عواقب حروبٍ عالمية عبثية أو إقليمية أو محلية على صعيد الوطن الواحد أو المنطقة. صحيحٌ أنَّ بعضًا من تلك الثورات قد نجحت في تحشيد مجتمعاتها حول رؤوسٍ دينية أو سياسية ألقى بها القدرُ في أتوّن أحقادٍ وكراهية ليس لها مثيل في تاريخ الشعوب والأمم. لكنَّ الحقيقة تقول إن هذه الشعوب المغلوبة على أمرها والتي آمنت واتبعت أصحابَ مثل تلك الثورات المفعمة بأيديولوجية دينية مثلاً والتي من جرّائها سيقت شعوبُها إلى مذبحة الخنوع الأعمى وراء زعاماتها الجدلية، قد تنكرت بدون دراية منها أو بفعل تأثيرات باهتة وساذجة لحالة الانفتاح التي  مرّت بها قبل تغيير بوصلتها نحو الأسوأ في الفكر والقول والتعبير، عندما كانت إدارات بلدانها آنذاك تسعى جاهدة لتطويرها والأخذ بها نحو الأفضل. وممّا يُؤسف له فقدان تلك الشعوب لمصداقيتها عندما خسرت فرصًا حقيقية للتطور واللحاق بالمجتمعات المدنية الراقية بفضل أبوّة حكامها السابقين الواعين، حتى لو كانوا ملكيّين وغير جمهوريين. وإذا كانت مثل تلك الثورات الإيديولوجية الثورية قد حققت قسطًا وافرًا من نزوات قادتها وزعاماتها الدينية الحاكمة بفعل سطوتها الدينية والمذهبية والطائفية والعرقية، فذلك لا يعني توافر ذات الفرص لإحياء تلك العصور المظلمة في زمن العصرنة والحداثة والتطور التقني والعلمي وتزايد الذكاء الاصطناعي المتقدم في كلّ يومٍ وكلّ ساعة.  

إذا ما أخذنا في نظر الاعتبار أيضًا، التحوّل القائم في التراكيب السكانية المتنوعة حول العالم في السنوات الأخيرة، سواءً نتيجة للهجرات المتعددة وأشكال النزوح القاهر لشعوب ومكوّنات بأكملها وقعت في مآزق العيش الكريم في بلدانها المتهالكة من دون رحمة أو احترام لإنسانيتها، كما جرى في زمن ما بعد عصر الثورات الأيديولوجية المعاصرة وما فرزته هذه من متاعب وإشكاليات ما بعد الحربين العالميتين، فذلك لا يعني ترك الحبل على الغارب لكلّ مَن سوّلت له نفسُه لفرض أفكاره ورؤيته ومنهجه الأيديولوجي المتطرّف على شعوبه أو غيرها من شعوب الأرض. والسبب بسيط للغاية، لكون التركيبة الجديدة ما بعد عصر هذه الثورات المؤدلجة لصالح فئات قليلة متمثلة بزعامة أو زعامات بلدٍ ما، لا يمكن أن تسمح بمثل هذه النزعة الزائغة عن أبسط الخطوط الإنسانية والاجتماعية المتمازجة كنتيجة حتمية لاختلاط الشعوب وتنوع مزاجاتها وأفكارها باتجاه حياة جديدة فرضتها الوقائع والأحوال الراهنة. فهناك مَن يرى بخطورة الأمزجة المتعفنة التي تحمل نوايا ظالمة ومظلمة يمكن أن تقلب الطاولة على رؤوس الجميع، "عليّ وعلى أعدائي" كما يُقال. وهذه من أخطر بل من أسوأ ما قد يشهده العالم المعاصر الحديث فيما لو تعكّر مزاج أيّ زعيم عقائدي واتجه لاقتراف إثم لتدمير شعوب ودول مسالمة لا تبحث سوى عن حياة هادئة ورزق حلال وعيش مسالم تتشارك فيه وبه مع شعوب العالم، بعيدًا عن هيمنة أطراف فئوية استغلّت الدين والمذهب والعرق والطائفة ركوبةً جاهلة وعربةً متهرئة في سياق سطوتها باستغلال الدين خاصة غطاءً في توجهاتها السياسية ووصولاً لشيء أكبر لا يقف إلاّ عند سكّة ما يُسمّى بحكم "الخلافة" الخفيّ. ولعلَّ هذا واقع حال دول وشعوب منطقتنا اليوم التي تتربص بها مثل هذه الأفكار الجدلية المثيرة التي تعكّر مزاج أممٍ كثيرة منفتحة ومشبعة بثقافة احترام التعددية الثقافية والدينية والعرقية والإنسانية التي ترى أنّ زمن الخلافة والحكم الأيديولوجي المتطرف قد ولّى بلا رجعة. وما نشهدهُ من واقع راهن في مناطق عديدة من العالم خير مثالٍ يُنذرُ بحروبٍ قائمة على مزاجيات نماذج من زعاماتٍ سياسية جدلية في أفكارها ومطالبها ونواياها وصفقاتها ومكاسبها بالتمسّك بأهداب السلطة التي يعدّونها وراثة مقدسة من السماء! وهنا الخوف والخشية من أية ثورات أو هيجانات شخصية أو عربدات لا تضع في حساباتها مسألة الحداثة والتطور في القيم العليا من احترام الحريات والاختلاف في الرأي والتعبير والعيش كلّ بحسب سياقات بلده ومنطقته ومجتمعه وموقعه ومعتقده. هذا من دون تجاهل ما دار ويدور في خلد بعض زعامات العالم وساسته من نكوص وتراجعٍ في الأخلاق والسلوكيات والاتجار بالبشر على حساب القيم الإنسانية المفقودة لدى هذه الفئات المنحلّة التي ظهرت جيفتُها في جزيرة الشياطين مؤخرًا.  

عالمُنا اليوم إذًا، أمام معضلة عالمية كبرى قد تقضّ مضاجع الجميع إذا أتت على الأخضر واليابس دون رويّة في حالة هيجان ثيران العصر من دون التحسّب لعواقب ما تضمرُه هذه النماذج من أذى وسوء لشعوبها أولاً. هذا بالرغم من إلمامها بتسببها بما يجري من شنائع وجرائم ومخالفات في بقاعٍ مختلفة بسبب هذه الأفكار الزائغة. والحقيقة أنّ العديد من الدول الهائجة هذه الأيام تدركُ تمامًا بكونها السبب وراء تدمير الأفكار والمجتمعات والشعوب والبلدان  بسبب سلوكيات استعمارية تكسبية أو عبر فرض أيديولوجيات دينية لم تعد مقبولة أو عبر صفقات لا تخلو من استعلاء فكري معتقداتي متزمّت مصحوبٍ برغبة ملحة فاقدة لأيّ شكلٍ من أشكال السلم الأهلي في بناء علاقات متوازنة مبنية على أسس حضارية، مدنية، حيادية في انتمائها الديني والاجتماعي والعرقي وإيمانها بأحقية تعددية المزاجات واختلاف الثقافات والحضارات. وكما بعض "الحضارات التي سادت ثمّ بادت" في أزمنة الماضي السحيق أو القريب، هكذا الأفكار الأيديولوجية المتطرفة والثورات العنفية المرتبطة بها في القرن العشرين خاصةً وهي الأقرب لنا ولبعض مَن عاشوا ومازالوا يتذكرون شيئًا كبيرًا منها ويعيشون في كنفها، قد كان لها زمنٌ سادت فيه بسبب غيّها وشيطنة أفكار زعاماتها ورغبة هؤلاء بتطبيق هذه الأخيرة على مجتمعات اعترضت على مسمياتها وأدواتها وأصولها حينما سعت جاهدة لعصر شعوبها وجيرانها في بوتقة مغلقة الأحكام دون وعيٍ منها بالإثم الجسيم الذي ارتكبته طيلة فترة حكمها الاستبدادي العنيف. وهنا نقول بحكمة العقلاء، ليس من الصحيح ولا من المقبول الحزن على تلك المرحلة الضيقة في افكارها وحكمها العنيد الذي آذى شعوبًا ومجتمعاتٍ ودولاً بدراية منها أو بجهل.

 

مجتمع واقعي متعدد الأقطاب

إذا كان هدف العديد من مشاهير الفكر العالمي وفلاسفته المتميزين عبر آرائهم في حقبة عصور التنوير هو تقديم مفهوم أو تعبير بيولوجي مرتبط بمشاعر وأحاسيس بشرية صائبة أو منغلقة في علم الاجتماع، فذلك كان نابعًا من رؤية واقعية في إعطاء ما تحتاجُه شعوب الأرض من ملحٍ قليل يتبّلُ صفحة العالم الجامد ويخلق شيئًا من الوعي الضروري لتعليم الجنس البشري ما يمكن أن يساهم في تحرير عقله الأسير لجهات لا تريد له الانسجام مع طبيعته البشرية المتناغمة مع التغيير الإيجابي في الحياة. ومثل هذه الجرعة الفلسفية الضرورية لتنشيط حياة الناس، كان من شأنها أن تُسهم في خلق أجواء إنسانية واجتماعية منفتحة على الغير بل على جميع القوى الفاعلة والناشطة بين الشعوب والأمم. وهذا هو كُنه أية مفاهيم تنويرية قدّمتها البشرية لشعوبها عبر سياسة بلدانها وتفاعلها مع بعضها البعض. أي بمعنى آخر، كانت هذه الأفكار التنويرية مدعاةً لخلق خبرات بشرية وإنسانية لا تقلّ فائدة حين تطبيقها وتنفيذها بعقلانية الحكماء من دون السماح لأطراف سياسية أو عرقية أو انتفاعية وانتهازية لكسر الهدف المرجو من تقديمها وعرضها للعيش والتفاعل بين شعوب الأرض والأمم تحت راية العدالة والمساواة والاحترام. وهذه ترفض في منطلقاتها أيةَ نزعة حاكمة لفرض الهيمنة الفكرية والفلسفية لأية أيديولوجيا متزمتة تسعى لتقديس فاعلها أو بالأحرى سيّدها وزعيمها الذي لا يستحق مسمّى "القداسة" بأيّ شكلٍ من الأشكال. فالقداسةُ هنا، الآن وفي كلّ وقت وزمان ومكان هي لرب الأكوان وللأوطان وأوليائه الصالحين الأوائل، ولا أحدَ سواهم من بعدهم!

إنّ فكرة تقديس الأشخاص ممّن حملوا مفهوم أيّ فكرٍ أيديولوجي، ديني أو سياسيّ، عبر التاريخ ولاسيّما في فترة ما بعد التنوير، لا يمكن ترويجها البتة من أجل خلق طرف يحتكر قطبًا غير قابل التغيير أو الإيمان بمواهبه الخارقة "المقدسة" التي لا تقبل الجدال والبحث والنقاش لكونها معصومة. من هنا، فأيّ استقطاب عالمي أو زعامة مناطقية أو محلّية تبدو اليوم مرفوضة من العامّة والأغلبية في أيّ مجتمع أو محيط. فالاستقطاب يعني التحيّز كما يعني الاستبداد في أيّ شيء وكلّ شيء لكونه لا يؤمن بسياسة المرونة في اتخاذ القرارات وإدارة الأزمات وحكم البلدان والعالم. وهذه من السمات السلبية التي لا يقبل بها العقلاء مهما بدت صورة مَن يتبنى مثل هذه الأفكار والأيديولوجيات بمثابة المنقذ والقائد الملهم والمخلّص الذي لا بديل له. وفي عراقنا ومنطقتنا اليوم وفي هذه الأيام بالذات، يمكن أن نشهد لشكل هذه الأفكار والتوجهات، تمامًا كما عهدناها في زمن الأنظمة السابقة. وقد تكون ذات الحالة ما شهدته دول أخرى وشربت من ذات الأواني غير الممتزجة بالشفافية ومحبة الآخر والشعور بمسؤولية الإدارة النزيهة التي فقدناها في عراق ما بعد السقوط، تمامًا كما شهدتها دول أخرى مماثلة في المنطقة والعالم من ضياع الخيوط الآمنة في التعامل مع الشعوب والمجتمعات. وهذه هي القطبية أو بالأحرى سلبية الاستقطاب التي تجري في عالمنا حيث تسعى دولة عظمى لتسيّد دول  العالم من دون وجه حق. وكما يرى العقلاء أيضًا، تقع على عاتق ساسة البلدان توجيه الاهتمام ليس وفق مزاجيات الزعامات السياسية والدينية غير المنضبطة والزائغة عن طريق الصواب الإنساني والاجتماعي الذي يضرّ بالتعايش السلمي بين الشعوب والأمم، بل عبر السماح بقبول صعود أقطاب عالمية أخرى قوية قادرة على خلق توانٍ مجتمعي يعمل على صيانة حقوق الشعوب المغلوبة والمستضعفة وتتصف بالشفافية في الإدارة والحكم والتوجيه. وهكذا تكسب هذه الأقطاب العالمية المتعددة المقتدرة بحكمتها وعقلانيتها وشفافيتها ومنطقها ودَّ الجميع وتنجح في توجيه العالم للعيش وفق معطيات تضمن العدالة والمساواة والتعاون ونشر السلام والرفاهة والراحة بين الشعوب والأمم بدل خلق صراعات جانبية وتيارات دينية أو سياسية متطرفة تخترق فرص السلام وتنقض أصول التعايش الذي تتسببُ به نظرية القطب الواحد.

من هنا، أعتقد كما غيري، لا يمكن العودة بالعالم إلى عصور الماضي السحيق حيث تعرّضت دولٌ ومجتمعات لعضّات قاتلة بسبب أيديولوجيات سياسية ودينية واجتماعية متزمتة أو ناقصة الإنسانية في تعامل ساستها باستعلاءٍ وهيمنة وغطرسة واستبداد مع شعوبها أو مع شعوب العالم بالمحصلة. فما يُفرض في الداخل من شأنه الآنتقال إلى الخارج بشتى الوسائل حينما تُستغفل الشعوب وتُحرمُ من إبداء الرأي والتعبير والحركة ككائن بشري من لحمٍ ودم وليس كبهيمة تُساق إلى الذبح من جزّارين لا يفهمون بل لا يؤمنون سوى بعبارة الخضوع والطاعة العمياء بحسب مفهوم "نفّذ ولا تناقش". وتلكم هي الطامة الكبرى حين تُغلقُ الأفواه وتُكبّلُ الأيادي، وعندما ينتقم جهلاء السياسة والمتسترون بغطاء الدين على بسطاء الشعب ومثقفي الشعوب وعلماء الأمم والأوطان. لذا ينبغي التأييد والتأكيد بالقبول بعالمٍ متعدد الأقطاب والأفكار والآراء والثقافات والأديان والحضارات وليس بزعامات تنزع الحريات والأفكار من عقول شعوبها وتنتقم من طلاّب التحرّر والباحثين عن الأمن والأمان في حركاتهم وطموحاتهم وآرائهم وعلومهم وحرياتهم الشخصية.

 

  

 

 


مشاهدات 51
الكاتب لويس إقليمس
أضيف 2026/02/28 - 2:41 PM
آخر تحديث 2026/03/02 - 2:13 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 255 الشهر 1366 الكلي 14955435
الوقت الآن
الإثنين 2026/3/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير