غياب الجلسة الواحدة.. تفكّك الطقس العائلي حول المائدة
ساهرة رشيد
لم تعد المائدة في البيوت العراقية، لحظة اجتماع يومية كما كانت، بل أصبحت مساحة عابرة، تتقاطع فيها الوجبات الجاهزة مع اختلاف المواعيد، وهيمنة الشاشات داخل البيت.
لنعش مع العائلة يوما على مائدتهم، لنرى ماذا فقدت الأسرة حين غابت الجلسة الواحدة.
على لسان الأم: «كل واحد يأكل متى يشاء»
أم علي، 48 عاما، تعد الطعام بينما الأطفال منشغلون:
«علي يأكل أمام التلفاز… وسارة في غرفتها… وأنا أجهز الغداء بسرعة. لم نعد نلتقي جميعا على الطاولة.»
تضحك بسخرية حزينة:
«المائدة كانت فرصة للحديث عن يومنا… للضحك، للأخبار الصغيرة… الآن كل شيء اختفى.»
على لسان الأب: «المائدة مساحة تربية صامتة»
أبو علي، 65 عاما، يراقب الأولاد من بعيد:
«المائدة كانت أكثر من مجرد أكل. نتعلم مهارات الحديث، نحترم الدور، نراقب سلوك الأبناء، ونكتشف ما يخفونه أحيانًا.»
يتنهد:
«غياب الجلسة اليومية يعني خسارة واحدة من أبسط وأأمن اللحظات للتواصل.»
على لسان علي (الابن): «الهاتف أصبح الوسيط الدائم»
علي، 17 عاما، يجلس على الطاولة وهو يكتب واجبه:
«نجلس أحيانا على الطاولة نفسها… لكن كل واحد منشغل بهاتفه. أحيانا يحاول والدي الحديث معي، وأنا مشغول بالمدرسة والواجب.»
يبتسم بطريقة مكسورة:
«المائدة لم تعد مساحة حوار، أصبحت مساحة جسدية مشتركة فقط.»
على لسان سارة (البنت): «الوجبة الفردية تحل محل الحوار»
سارة، 15 عاما، تفتح تطبيق طلب الوجبات:
«أحيانا أأكل وحدي في غرفتي. أختار وجبتي وأكمل اليوم بسرعة… لم أعد أسمع قصص أبي، ولا أسأل اخي عن يومه.»
تنظر إلى الطاولة الفارغة بحزن:
«أحيانا أشعر أن المائدة مجرد روتين سريع لإنهاء الجوع.»
وفي لقاء مع الباحثة الاجتماعية
تراكم عوامل اجتماعية
الست ميادة العزاوي، باحثة اجتماعية، تشرح:
«التفكك ليس حادثة واحدة… بل تراكم عوامل: جداول العمل والدراسة المختلفة، الإرهاق النفسي، الهواتف الذكية، وتراجع الوقت العائلي المشترك.»
حوار يومي
وتضيف:
«غياب الحوار اليومي يقلل قدرة الأطفال على التعبير عن يومهم ومشاركة مشاعرهم. المائدة ليست مجرد طعام، بل مساحة آمنة للكلام العفوي.»
استعادة الطقس العائلي ممكنة
توضح العزاوي
*»لا تحتاج المائدة الكبيرة أو الأطباق المعقدة… التغييرات البسيطة تكفي:
موعد ثابت أسبوعيا للجلسة.
إبعاد الهواتف.
وإشراك الأبناء في تحضير الطعام.
حديث هادئ وممتع.»
وتضيف:
«الهدف ليس العودة للماضي، بل إعادة بناء معنى الجلسة بما يناسب واقع اليوم.»
الخاتمة
المائدة لم تكن مجرد مكان للأكل، بل كانت:
مساحة تربية،
مساحة إصغاء،
مساحة أمان يومي.
مع غيابها، لا نخسر وجبة منزلية فقط، بل نخسر آخر اللحظات التي كانت تجمع العائلة دون وسيط.
تفكك الطقس العائلي حول المائدة… ليس قصة طعام، بل قصة بيت تغيّر إيقاعه قبل أن تتغيّر أطباقه.