من حكايات الجدة إلى دهاليز البرلمان
أحمد جاسم الزبيدي
في الوقت الذي ينشغل فيه محللو السياسة وفطاحل "التوك شو" بتفكيك طلاسم التحالفات وضرب الودع لمعرفة اسم رئيس الوزراء القادم، أجد نفسي أعود لا شعورياً إلى "المدرسة الفلسفية الأولى" التي تخرجت منها: مدرسة جدتي، ومدفأة "علاء الدين" التي كانت تشتعل بالدفء قبل أن تشتعل رؤوسنا بالشيب.
زعيمة "الحيرة" الشعبية
كنا نتحلق حولها، والأنفاس محبوسة بانتظار مصير أبطال حكاياتها. وحين نصل إلى ذروة التشويق ونسألها: "وبعدين حبوبة .. شصار بالبطل؟"، كانت تهز يدها بحركة سينمائية تذكرني بحركات الزعماء السياسيين وهم يواجهون الجماهير الغاضبة، وتطلق رصاصة الرحمة على فضولنا بكلمة واحدة:
"وِاشْمِدْريني!"
كانت تلك الكلمة كفيلة بإنهاء الجدل، وإغلاق ملف القضية "لعدم كفاية الأدلة الحكواتية". لم نكن نعلم حينها أن "وِاشْمِدْريني" ليست مجرد تهرب من الإجابة، بل هي دستور سياسي متكامل سأحتاجه بعد عقود.
العراق في عيون "المغترب"
اليوم، وأنا في طشقند، أتابع أخبار تشكيل الحكومة وانتخاب الرئيس وكأنني أشاهد فيلماً "نوارياً" طويل الفصول، بلا نهاية واضحة. وحين يباغتني الأصدقاء العرب بسؤالهم التقليدي الذي يحمل من البراءة أكثر مما يحمل من الفضول: "ها يا أحمد.. شصار بالعراق؟ منو راح يستلم؟ وين ماشية الأمور؟".
هنا، تتجسد روح جدتي في جسدي، وأجد "الجينات السياسية" الفطرية تتحرك بداخلي. أبتسم بمرارة، أهز يدي بنفس الطريقة، وأجيب بكل ثقة وخبرة دبلوماسية نابعة من رحم المعاناة:
"وِاشْمِدْريني!"
يبدو أننا في العراق قد استوردنا كل شيء، من السيارات إلى المعلبات، لكننا ظللنا مخلصين لمنهج الجدة. فإذا كان نواب البرلمان أنفسهم لا يدرون، والكتل السياسية لا تدري، والشارع "يدري وما يدري"، فمن أنا لكي أفسد هذه الوحدة الوطنية في "عدم الدراية"؟
عذراً يا جدتي، لقد سخرنا من قصصك قديماً، واكتشفنا اليوم أن واقعنا مجرد "سالفة" طويلة، نهايتها -بأمر الكتل السياسية- هي ذاتها: "وِاشْمِدْريني".