مادة نقدية
مركزة ومفعمة لرؤية كتبها الأستاذ حسين عبدالله الراشد
عن نص مسرحي كتبته عن ثوار تشرين
تحليل نقدي أكاديمي لنص «نرغب في عبور الجسر – الضفة الأخرى»
للكاتب: قاسم ماضي
التمهيد والسياق
في فضاء واحة الأدب والأشعار الراقية، حيث تُقرأ النصوص بوصفها وثائق جمالية وإنسانية شاهدة على تحولات الوعي الجمعي، يأتي النص المسرحي «نرغب في عبور الجسر – الضفة الأخرى» بوصفه نصًا دراميًا احتجاجيًا يعتمد المونودراما (الشخصية الواحدة) أداةً فنية لتكثيف المأساة، وتحويل التجربة الفردية إلى صوت جمعي ممثل لجيل كامل من المحتجين العراقيين.
النص يستلهم سياق الاحتجاجات العراقية، لا بوصفها حدثًا سياسيًا عابرًا، بل باعتبارها حالة وجودية مركبة، تتقاطع فيها أسئلة الوطن، والكرامة، والموت، والهوية، والخيبة، في زمن بات فيه “العبور” فعلًا وجوديًا محفوفًا بالفناء.
أولًا: العنوان ودلالاته
يحمل العنوان «نرغب في عبور الجسر – الضفة الأخرى» شحنة رمزية عالية، إذ:
يحيل الجسر إلى الانتقال من وضع قهري إلى أفق خلاص محتمل.
تشير الضفة الأخرى إلى حلم الأمان، العدالة، والكرامة.
فعل نرغب لا يقول “نعبر” بل “نرغب”، ما يؤكد هشاشة الفعل واستحالة اليقين.
العنوان بذلك لا يَعِد بالخلاص، بل يكشف ثمن الرغبة فيه.
ثانيًا: البنية الدرامية
النص مبني على:
مونودراما تعتمد شخصية واحدة (المتظاهرة/المسعفة).
حركة جسدية دائمة تعكس التوتر والإنهاك.
تداخل بين الحلم، الهذيان، الذاكرة، والواقع الدموي.
تصاعد درامي نفسي لا يقوم على الحدث، بل على تكثيف الإحساس.
غياب الفصول التقليدية يقابله انقسام داخلي حاد في وعي الشخصية، ما يعكس تفكك الواقع نفسه.
ثالثًا: الشخصية المحورية
الشابة ليست شخصية فردية بالمعنى التقليدي، بل:
رمز جمعي للمرأة العراقية/الإنسان المحتج.
مسعفة، أي شاهدة ومنقذة في آن.
تجمع بين الضعف الجسدي والصلابة الروحية.
هي صوت الوطن حين يفقد لغته الرسمية، ويتكلم عبر الجسد والصرخة.
رابعًا: اللغة والأسلوب
اللغة في النص:
مباشرة، صادمة، متوترة.
تتراوح بين الشعرية الكثيفة والخطاب الاحتجاجي.
تعتمد التكرار (الوطن، الجسر، الموت) كآلية نفسية لا بلاغية.
اللغة هنا ليست للزينة، بل أداة كشف وتعرية.
خامسًا: البعد الرمزي
النص غني بالرموز، أبرزها:
الجسر: اختبار المصير.
الغربان: المليشيات، القناصون، الموت المتربص.
الكمامة والصدريّة البيضاء: مفارقة الحياة وسط آلة القتل.
المرآة: تشوه الهوية تحت القهر.
الخيمة: هشاشة الأمان.
هذه الرموز تعمل ضمن شبكة واحدة، لا كزخارف معزولة.
سادسًا: البعد النفسي
النص يرصد:
الانهيار العصبي.
تشظي الإدراك.
الهلوسة الناتجة عن العنف المتكرر.
تحوّل الخوف إلى وعي حاد بالمصير.
إنه نص عن الإنهاك الوجودي لا عن الخوف فقط.
سابعًا: البعد الفلسفي
يطرح النص أسئلة عميقة:
هل نحن أفكار أم أجساد؟
هل الوطن حقيقة أم وهم مؤلم؟
هل العبور خلاص أم موت مؤجل؟
يتقاطع النص هنا مع الفلسفة الوجودية، حيث يصبح الوعي عبئًا لا خلاصًا.
ثامنًا: البعد السياسي (غير المباشر)
النص لا يرفع شعارًا سياسيًا مباشرًا، لكنه:
يعرّي بنية القمع.
يكشف عبثية السلطة.
يدين العنف دون خطاب دعائي.
السياسة هنا نتيجة إنسانية لا شعارًا.
تاسعًا: الفضاء المسرحي
الكاتب يوظف:
الإضاءة والظلام.
المواد الفيلمية.
المؤثرات الصوتية.
بما يحول المسرح إلى ساحة احتجاج رمزية، لا خشبة تقليدية.
عاشرًا: الخاتمة التقويمية
يُعد نص «نرغب في عبور الجسر – الضفة الأخرى» عملًا مسرحيًا جريئًا، ينجح في تحويل الاحتجاج من حدث سياسي إلى مأساة إنسانية شاملة. قوته لا تكمن في حبكته، بل في صدقه الوجودي، وقدرته على جعل المتلقي شريكًا في الألم والسؤال.