العنف الأسري في العراق..أين الحقيقة ؟
أكرم عبدالرزاق المشهداني
تعاني الاسرة العربية في الدول العربية عامة، ومنها العراق، من ظاهرة العنف الاسري Domestic Violence ، لذا فان معظم الدول العربية قد سنت قوانين خاصة لتجريم هذه الأفعال الخطيرة، أبرزها قوانين حماية الأسرة في السعودية، الإمارات، مصر، المغرب، وتونس.
ويعرف العنف الأسري بأنه هو «كل فعل عدواني أو تهديدي يصدر من أحد أفراد الأسرة تجاه فرد آخر بهدف الإيذاء أو السيطرة»، وهو يعني لغة الشدة والقسوة في التعامل. اما اصطلاحاً فهو استخدام القوة أو التهديد بها لإلحاق الضرر بأحد أفراد الأسرة، سواء كان ضرراً بدنياً أو نفسياً أو اجتماعياً. ويعرف سوسيولوجياً بانه سلوك عدواني يهدف إلى تفكيك العلاقات الأسرية أو السيطرة على أحد أفرادها. وياخذ العنف الاسري عدة اشكال منها العنف الجسدي: الضرب، الإيذاء البدني، الحرمان من العلاج. والعنف النفسي: الإهانة، التحقير، التهديد، العزلة الاجتماعية. والعنف اللفظي: السب، الشتم، التوبيخ المستمر. والعنف الجنسي: الاعتداء أو الإكراه على ممارسات غير مرغوبة والعنف الاقتصادي يتمثل في التحكم في الموارد المالية، الحرمان من النفقة.
الموقف التشريعي في البلاد العربية والعراق
في السعودية صدر عام 2013 نظام الحماية من الإيذاء يجرّم الإيذاء الجسدي والنفسي داخل الأسرة، ويوفر آليات للتبليغ والدعم.
وفي الامارات صدر عام 2019 قانون حماية الاسرة يضع عقوبات على الاعتداءات الأسرية ويؤكد على سرية البلاغات وحماية الضحايا.
وفي مصر يطبق على الجرائم الحاصلة احكام مصر قانون العقوبات وهناك مشروع قانون حماية المراة من العنف يجرّم الضرب والإيذاء البدني والنفسي، مع وجود مبادرات لإنشاء وحدات لمكافحة العنف الأسري.
وفي المغرب صدر قانون رقم 103-13 في عام (2018) يجرّم العنف ضد النساء، بما في ذلك النفسي والاقتصادي، ويوفر حماية قانونية للضحايا.
وفي تونس صدر عام 2017 القانون رقم 58 من أكثر القوانين شمولاً، يجرّم جميع أشكال العنف الأسري ويوفر آليات حماية ودعم نفسي واجتماعي.
اما في العراق فعلى الرغم من اقرار الحكومة العراقية مشروع قانون مناهضة العنف الأسري داخل مجلس الوزراء وارساله إلى مجلس النواب لإقراره إلا أن حالة التجاذبات والمخاوف والعراقيل من قبل بعض الكتل السياسية المتنفذة قد حالت دون اقراره، وقد بنت هذه الكتل حججها اعتماداً على أن القانون هو تقليد ومسايرة لقوانين غربية، ويمنح المرأة حق الحصول على رعاية حكومية وهو ما تراه تلك الأحزاب يشجع بعض النساء على التمرد.
كما فشل مجلس النواب العراقي في اقرار قانون حماية الطفل في العراق الذي طرح في المجلس في حزيران 2023، وفي حال اقراره سيكون قانون حماية الطفل الأول في العراق وخطوة مهمة في طريق حماية حقوقه وإذا كان القانون سيعالج قضايا عدة مثل عمالة الأطفال واستغلالهم وإساءة معاملتهم، فأنه سيكرس في الوقت ذاته الحقوق الأساسية للأطفال بشكل صريح في القانون بما فيها الحق في الحياة والصحة والتعليم والجنسية «.
خطورة العنف الاسري
يعد العنف الأسري أحد أشكال التمييز، وهو يعوق إلى حد كبير قدرة المرأة على التمتع بحقوقها وحرياتها، وقد تبنى العراق استراتيجيتين وطنيتين للتعامل مع هذه القضية، فضلاً عن اتخاذ خطوات ايجابية أخرى مثل تأسیس اقسام تابعة لمديرية حماية الأسرة والطفل من العنف الأسري، وتشكيل الشرطة المجتمعبة وتكليف قضاة محددين في محاكم الجنح للنظر في قضايا العنف الأسري، لكن الاستجابة القضائية لقضايا العنف الأسري محدودة، حيث تتعامل مع أفعال العنف الجنائي التي تمارس داخل البيوت على أنها مجرد خلافات أسرية
وعلى الرغم من إحراز العراق تقدم من خلال إصلاح السياسات وتنفيذ حملات التوعية لكن لازالت العوائق المجتمعية تمثل تحدياً، مما يبرز الحاجة إلى الحفاظ على تحقيق تقدم مستدام في هذا المجال، ويشكل تعزيز وتطبيق القوانين التي تُعنى بمكافحة العنف ضد النساء والأطفال أولوية ملحة، فالأطر القانونية القوية تمثل عنصراً جوهرياً لضمان المساءلة ووضع حد للعنف الموجه ضد النساء.
ويمثل العنف الالكتروني تهديداً متزايداً، حيث يؤثر بشكل غير متناسب على النساء والفتيات، ويعرض هذا النوع من العنف سلامة النساء للخطر ويقيد مشاركتهن في الفضاء الرقمي الأمر الذي ينعكس سلباً على تعليمهن وفرص العمل المتاحة لهن ومساهماتهن القيادية، لذا دعت الأمم المتحدة إلى تعزيز التشريعات السيبرانية وزيادة الوعي العام بهدف إنشاء ثقافة رقمية تحترم حقوق الجميع ).
احصاءات وزارة الداخلية:
وتشير احصاءات وزارة الداخلية العراقية الى انه قد تم تسجيل 14 ألف حالة عنف اسري خلال عام 2024 في العراق غالبيتها حالات تتعلق بالعنف البدني، وقد شكلت نسبة الضحايا من الإناث 73 بالمئة فيما كانت نسبة الذكور 27بالمئة من الضحايا، فضلاً عن ارتفاع نسبة الاعتداءات على الاطفال، حيث بلغت هذه الاعتداءات المسجلة من قبل الوالدين 6بالمئة من اجمالي حالات العنف الأسري في البلاد في عام 2024، وهي بذلك تشهد تصاعداً مستمراً قياساً للأعوام السابقة، وقد انعكست الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية غير المستقرة في البلاد على الوضع العام للعراقيين وتسببت باضطرابات نفسية ساعدت على ازياد هذه الحالات
وحيث ان كثير من الضحايا يمتنعون عن الابلاغ بحالات العنف، لذا فان الارقام المعلنة لا تعكس الواقع عن حالات العنف ضد الأطفال والنساء بسبب الخشية من الوصمة الاجتماعية أو الخوف من الانتقام.
لذا فأن بقاء العراق من دون قانون واضح لردع حالات العنف الأسري سيزيد من تلك الحالات خلال السنوات المقبلة في ظل ارتفاع نسبة تعاطي المواد المخدرة المختلفة التي هي تعد سبباً رئيساً في ارتكاب غالبية حالات العنف الأسري ضد النساء والأطفال مما يفرض على الحكومة والمؤسسات المعنية اتخاذ تدابير عاجلة وشاملة لحماية الأطفال من جميع أشكال العنف بما في ذلك تعزيز التشريعات الوطنية وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي للضحايا وزيادة الوعي المجتمعي حول مخاطر العنف وآثاره السلبية على الأجيال المقبلة. ويعد ضعف الوازع الديني وسوء الفهم والتربية والنشأة في بيئة عنيفة وسوء الاختيار بين الزوجين والظروف المعيشية الصعبة كالفقر والبطالة من أهم العوامل المسببة للعنف الأسري، حيث تدفع الزوج أو الزوجة إلى ارتكاب العنف ضد أعضاء الأسرة الواحدة.
□ مستشار قانوني وامني