الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
لذة المعرفة


لذة المعرفة

آدينه أحمد سعيدزاده

 

في حياة الإنسان تتعدّد اللذّات: لذّة المال والثروة، ولذّة الراحة، ولذّة الطعام، ولذّة التواصل. غير أنّ من بينها لذّة نادرة ودائمة تُسمّى لذّة المعرفة. وهذه اللذّة ليست جسدية، بل روحية، وترتقي بالإنسان إلى الكمال. يعيش الإنسان أساسًا في حالتين: حالة الفاعلية وحالة السكون (النشاط والخمول). ففي الحالة الأولى يكون قادرًا على إنجاز أعمال كثيرة، ويحافظ على مشاعره الإيجابية من دون شعور بالضيق أو الملل.

أما في حالة الكآبة فلا يستطيع القيام بذلك… فإذا كانت الحالة النفسية للإنسان جيدة، يمكنه الانشغال بعمل طويل الساعات دون أن يشعر بالتعب، أما في حالة الضيق فلا يستطيع حتى الجلوس ساعةً واحدةً في حفل موسيقي. المعرفة هي عملية إدراك الذات والمجتمع والعالم. عندما يكتسب الإنسان العلم، يدرك أشياء جديدة ويقترب من الحقيقة، فينشأ في قلبه شعور عميق بالرضا والسعادة. وهذه السعادة لا تُقارن بأي لذة مؤقتة، لأنها تنبع من الداخل وتدوم طويلاً.

قال فولتير، المفكّر الفرنسي الكبير في عصر التنوير، إنّنا نستمتع بشيء قبل أن نمتلكه، فالسعادة والفرح الحقيقيان لا يتحقّقان بعد الحصول على الشيء الذي نرغب فيه، بل أثناء عملية الحصول عليه نفسها.

لكي نكون سعداء، ليس من الضروري أن نحصل على شيء، ومن الأفضل ألا يحدث ذلك… فشعور اللذة لا يظهر بعد الحصول على شيء، مثل الحصول على مبلغ كبير من المال، بل يظهر أثناء عملية الحصول عليه… إنّ تحقيق نتيجةٍ ما بالطبع يُسعد الإنسان ويمنحه شعورًا بالرضا، لكن هذا الشعور (الإحساس بالسعادة) يكون أكثر وضوحًا خلال الطريق نحو تحقيق تلك النتيجة… لأنّ الروح الإنسانية تتحرك فقط أثناء النشاط، وتشعر بالإثارة، وتزول عنها الأحزان والهموم.

السعادة واحدة من أبرز أماني كل إنسان. الجميع يرغب أن يكون سعيدًا، لكن ليس كلٌّ يفهم السعادة بنفس الطريقة. بالنسبة للبعض، السعادة هي المال، وللبعض الآخر هي الصحة، الأسرة أو راحة البال. في الواقع، السعادة مفهوم واسع وشخصي.

السعادة قبل كل شيء حالة نفسية للإنسان. فقد يكون الشخص غنيًا ولكنه لا يشعر بالسعادة، بينما يشعر شخص آخر بالفرح والرضا حتى مع حياة بسيطة. وهذا يدلّ على أن السعادة تعتمد أكثر على طريقة التفكير وموقف الإنسان من الحياة، وليس فقط على الظروف المادية الخارجية.

معظم الأثرياء (الذين يمتلكون دائمًا كل وسائل الترفيه) أحيانًا ينخرطون في أنشطة تُخرجهم من الكآبة والملل وتعيدهم إلى حالة النشاط، مثل لعب الورق أو الصيد في الجبال العالية، والتي تتطلّب الانتباه والحذر وتنشيط العقل

أحيانًا ينقل الإنسان نشاط غير اعتيادي، أو قراءة قصة غريبة، أو اكتشاف حقيقة جيدة، من حالة إلى أخرى. على سبيل المثال، هذا الصباح، أثناء تأليف مقال عن موپاسان، تصفحت بعض ذكرياته، وكذلك أعمال граф تولستوي الذي أجرى دراسة شيّقة عن هذا الكاتب. بعد اطّلاع موباسان على «الحرب والسلم» لليف تولستوي تعلّق به تعلّقًا شديدًا، وكان يكرّر قائلًا: يجب علينا جميعًا أن نتعلّم منه. وبعد قراءة «موت إيفان إيليتش» كتب في دفتر مذكّراته: «أرى أنّ كلّ إبداعي لا يساوي شيئًا، وأنّ عشرات المجلدات من آثاري لا قيمة لها…».

نرى هذا النوع من الاعترافات نادرًا في أدب شعوب أخرى، بالطبع مع استثناء بعض العظماء الذين كانوا متواضعين جدًا ويقدّرون معيار الفن في تقييم الأعمالعاش موباسان 43 عامًا فقط، وكانت حياته مليئة بالنشاط؛ ففي سن الخامسة والعشرين أدرك أن عمره محدود، لذلك كرّس كل قوته للبحث عن أشكال وأنواع أدبية جديدة، وكان دائمًا يشعر بعدم الرضا عن نفسه. وعندما كتب الصفحة الخمسين الأخيرة من روايته، ودّع العالم إلى الأبد

وفقًا لخطة موباسان، كان من المفترض أن تُعترف هذه الرواية كذروة فنه… لكن ذلك لم يحدث… بعد وفاته، كانت أكثر من شن هجوم على جثته هي جماعة الصحفيين في تلك الحقبة، حيث نسجوا ونشروا الكثير من الكلام القذر عن الكاتب. لأن موباسان كشف التملّق والفساد في هذه الطبقة، خصوصًا تملّقهم وضعفهم… إذا بحثنا في الأدب عن مثال على حياة كاتب نشيط دائمًا، فإن حياة موباسان هي أفضل نموذج.

قلنا أنّ أحيانًا ظهور حقيقة شيّقة يمكن أن يبقي الإنسان طويلًا في حالة النشاط والحماس النفسي. ومثال ذلك هو شكسبير: فقد وجد قصة فتاة رومانية كانت تعطي والدها المسن حليبًا من صدرها لتنقذه من الجوعكانت هذه الشابة ووالدها المسن في السجن، ولتنقذ والدها من الموت جوعًا، كانت ترضعه من صدرها. ربما كانت الرواية حقيقية أو قصة يُزعم أنّها حدثت في روما القديمة. كتب غراف تولستوي عن تقييم أعمال شكسبير: «فتاة تنقذ والدها من الموت في السجن بحليب صدرها: يا له من منظر مقدّس…».

لقد أثر هذا المشهد على شكسبير نفسيًا إلى درجة أنه ألّف نتيجة لهذا التأثير مسرحيته الشهيرة «الملك لير». وفي هذا العمل، الشخصية الرئيسية هي كوردليا، التي تجسّد في خيال شكسبير الفتاة المسجونة… فتاة تصبح سند والدها العجوز في أوقات المحنة… انظر كيف أنّ حقيقة واحدة أدّت إلى ولادة تحفة فنية أو عمل أدبي عظيم.

وأنا أيضًا، نتيجة اختفاء مفاجئ لعدة مواد على مكتبي خلال شهر ونصف، شعرت بحيرة كبيرة؛ فمحاولاتي لإحياء هذه المواد، التي كانت نتيجة جهد فكري دام عدة أشهر، لم تؤتِ ثمارهاخلال هذه الفترة، قمت بعدّة رحلات وخطابات (رحلة إلى يوفن وحديث عن الأدب والثقافة في كلية الطب والصيدلة في تلك المنطقة، ثم المشاركة في مهرجان لائق في حصار، الذي تم بفضل مبادرة زميلتي العزيزة موجودة حكيمي، ورحلة إلى خوَالينغ والمشاركة في احتفال الذكرى الثمانين لحبيب الله فيزولو، وعدد آخر من المناسبات)، وكان يجب أن أدوّن نتائجها على الورق، لكنّ ذلك لم يحدث، ولم يحدث

الحزن والكآبة يولّدان نتائج مريرة لدى الإنسان المفكّر، وقد اختبرت ذلك جيدًا… أي كما ذُكر أعلاه، للانتقال من حالة النشاط إلى حالة السكون لدى الإنسان المفكّر، يكفي فعل غير صحيح وعشوائيسبب آخر جعلني أشعر بالكسل وقلة النشاط إلى حدّ ما كان طريقة الحوار مع زملائي الأعزاء في شبكتهم الخاصة. أردت أن أشاركهم فرحة عيد ميلاد قطّي العزيز، لكن باستثناء زميلة واحدة تقدّر الأمور، لم يهتم أحد، إلا زميل آخر سخّر الحديث بطريقة غير لائقة… وكان قبل ذلك أيضًا نقاش عن شعر حافظ، الذي لم يكن يحمل جوًّا مريحًا

حسنًا، بالمناسبة يجب أن أقول إنّ جميعهم أعزاء عليّ ويحظون باحترام كبير جدًا. ومن أجل أن يظل أحبّائي محترمين هكذا، قررت الابتعاد عن تلك الشبكة الجماعيةيجب أن يُحفظ في زاوية من الذاكرة أنّه إذا كان شرط الحوار احترام كلام المتحدث وموقفه، فإنّ شرط الاحترام وتقدير الشخصية هو أساس العلاقات الروحية. وهذه الشروط ليست جديدة، بل جاءت منذ القدم

ردًا على تهنئة صديق، عبّرت عن تأملاتي في معرفة الناس بهذه الطريقة:يرى الناس العالم بطرق مختلفة: أحدهم من نافذة محدودة جدًا من المعتقدات والديانات، وآخر من شرفة المنافع النفعية (الحاجات اليومية اللازمة) للاحتياجات الجسدية، وثالثهم – كقرية صغيرة تتألف من جميع الأقارب والأهل، ورابعهم – العيش من أجل العيش، مثل الأنواع الكبيرة من عالم الحيوان، التي لا علاقة لها بالحياة الروحية (في هذا الصدد، لدى غراف تولستوي في رسالته بعنوان «معنى الحياة» تأملات شيّقة)

الشخص الذي يرتبط بالدين (ليس بالمعنى الروحي والمحتوى الحقيقي للدين، بل بالمفهوم المبالغ فيه، الذي ليس واقعيًا بل خيالي وأساطيري) لا يرى سوى ما أمام قدميه وما فوق سطح منزله، لأنه لا يسلك طريق الوعي الذاتي عبر الكتب والمعرفة والجهد الفكري، وقلبه متصلب ومليء بالتعصّب، ويظنّ وجوده ثابتًا، مثل قلعة لا نافذة فيها لدخول هواء المحبة

أما الذي يكون دائمًا مرتبطًا بالاحتياجات الجسدية، فينظر إلى محتوى الحياة من هذا المنظور، ويعتقد أنّ العالم أشبه بحقل للزرع والحصاد

الطبقة الأخرى ترى عالم الإنسان في إطار العلاقات والمعاملات مع الأبناء والأحفاد والعمّ والخال والخالة… وغيرهم، ولا يهمها السبب الذي جاء به الإنسان إلى هذه الدار العجيبة، ولا تتساءل عن الغرابة الظاهرة فيهاكل هؤلاء يعيشون في ضيق صنعوه بأيديهم، ضيق خالٍ من الروحانية والمحبّة والإخلاص… وإذا تحدثوا عن الشفقة والمحبة، فهم لا يدركون معناها حقّ الإدراك، لأن عقولهم لا تتسع لمفاهيم هذا العالم السامي

أخيرًا، كل شيء في العالم له لذة، سواء كان الماء والطعام، أو لقاء محبوب، أو التجول ومشاهدة البحر والحدائقوالمعرفة أيضًا لها لذة، لكن بما أنّ الوصول إليها صعب، فإن القدرة على بلوغ هذا الملكوت المعنوي للأسف ليست متوفرة للجميعإنها هذه لذة المعرفة التي تمنع الإنسان من التوقف عن النشاط لفترة طويلة، وتجعل روحه لا تخرج من إطار الإنسانية… ودائمًا ما يقدّم له الواقع دلائل تحرّكه، وتمنحه دفعة للنفس والعقل ليقدّر الحياة حق تقديرهاالكنز يزول، والمتاع يزول، لكن هذه اللذة تبقى مع الإنسان طوال حياته.

 

 استاذ بجامعة طاجيكستان القومية

 

 

 

 

 

 

 


مشاهدات 39
الكاتب آدينه أحمد سعيدزاده
أضيف 2026/01/21 - 1:21 AM
آخر تحديث 2026/01/21 - 2:47 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 109 الشهر 15641 الكلي 13523064
الوقت الآن
الأربعاء 2026/1/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير