الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تكريمُ المتميزينَ بين التقدير المعنوي والحافز المالي

بواسطة azzaman

تكريمُ المتميزينَ بين التقدير المعنوي والحافز المالي

محمد خضير الانباري

 

    يعدّ التكريمُ منْ أبرزِ أساليبِ التحفيزِ على الأعمالِ الجيدةِ والمتميزةِ التي يقدمها بعضُ الأفراد، لما لهُ منْ دورٍ في تشجيعِ الآخرينَ على الاقتداءِ بهمْ والسعيِ إلى تقديمِ الأفضلِ، وقدْ درجتْ شعوبَ العالمِ وحكوماتهِ منذُ القدمِ على اعتمادِ هذا النهج، ولا سيما في المجالاتِ الثقافية.

      أنَ التكريمِ ، قد لا يشكلُ بالضرورةِ حصانةً دائمةً لصاحبه؛ إذْ قدْ يخطئُ المكرمُ في مرحلةٍ لاحقة، أوْ تتبدلُ قناعاته، أوْ تتعارضُ آراؤه مع الجهات المانحة له التكريم، فيحال حينها إلى الجهاتِ القضائيةِ المختصة، خاصةً في القضايا الخطيرةِ أوْ الفكرية، ولا تغني عنهُ آنذاكَ الأوسمةَ ولا الألقابُ التي نالها سابقا، وخير ذلك تجربتنا في العراق، سواءً في العهدِ الملكيِ أمْ الجمهوريِ بمراحلهِ المختلفة، التي تمثلَ خيرَ شاهدٍ على ذلك. وحتى جيراننا في دولةِ الكويتِ الشقيقة، لمْ يكونوا بمنأى عنْ مثلٍ هذهِ الممارسات، إذْ أسقطتْ الجنسيةُ الكويتيةُ عنْ عشراتٍ منْ المبدعينَ المكرمينَ في مجالاتِ الثقافةِ والعلومِ والأدب، تطبيقا لقانونِ الجنسيةِ النافذ، دونُ أنْ تشفعَ لهمْ مكانتهمْ أوْ عطاؤهم، رغمَ أنَ بعضهمْ أقامَ في الكويتِ منذُ عشراتِ السنين.

   وفي المقابل، هناكَ نوعٌ آخرُ منْ التكريم، يمنحَ أحيانا لعملٍ فنيٍ متميز، استطاعَ أنْ يكسبَ قلوبَ المشاهدين، إلا أنهُ يبقى شكليا ومحدودً الأثر؛ كما وصفَ فناننا الكبيرُ (يوسفْ قفطان) تكريمهِ منْ إحدى الجهاتِ الثقافية، حينُ قال: لمْ أستلمْ أيُ تكريمٍ سوى كارتونيةً ورقيةً مكتوب عليها ( شهادة تقديرية) مقابلَ العملِ الفنيِ الكبيرِ (خانُ الذهب) الذي تفاعلَ معهُ ملايينُ المشاهدينَ في أحداثهِ المثيرة.

   وبهذا الشأن، فقدْ قرأتْ خبرا مؤخرا، عنْ تكريمِ موظفٍ تركيٍ متضجوراً من تكريمه منْ مؤسستهِ الصحية الحكومية، بعدُ أنْ أمضى خمسة وثلاثينَ عاما في العمل، كانَ خلالها مثالاً للانضباط؛ يحضرُ مبكرا قبل ساعة كاملة من الدوام، غيرَ أنَ هذا الإخلاصِ الطويلِ، قوبلَ بتكريمٍ رمزيٍ تمثلُ في (ميداليةٌ نحاسية) لا تتجاوزُ قيمتها بضعَ ليرات، أخذُ الموظفِ يقلبها بينَ يديهِ، وينظرُ إليها يمينا ويسارا، وقدْ انعقدَ لسانهُ بعدَ تسلمها، إذْ كانَ يأملُ أنْ يمنحَ شيئا ذا قيمةٍ مالية، يعينهُ على متطلباتِ حياتهِ التقاعدية. . .!

     أنَ هذا المشهدِ لا يختلفُ كثيرا عما تداولتهُ وسائلُ الإعلامِ قبلَ بضعِ سنوات، حينُ أقدمَ رئيسُ الوزراءِ في إحدى الدولِ الحديثةِ الديمقراطية، في إقامةِ حفلٍ لتكريمِ عوائلِ الشهداءِ في أحدِ الأماكنِ الدينيةِ المقدسة، بدرعِ الشهادة، إلا أنَ بعضَ المكرمينَ عبروا عنْ رفضهمْ لهذا التكريم، فرشقوهُ بالدروعِ النحاسية المكرمين بها، لولا سترُ اللهِ لفجِ رأسه الى قطعتين....، قائلين: ماذا نعملُ بالحديدة؟ ، الأمرُ الذي اضطرَ حمايتهُ إلى إخراجهِ منْ بابِ النساء، حفاظا على سلامته. وفي كلتا الحالتين، يتجلى بوضوحِ الفارقَ بينَ قيمةِ العطاءِ الحقيقيِ وتكريمٍ شكليٍ لا يرقى إلى حجمِ التضحياتِ والجهود المبذولة من الشخص المكرم.

  في بعضِ المنتدياتِ الثقافية، وخاصةً المؤتمرات والندوات والورش، يقدمَ الباحثُ أوْ الأكاديميِ خلاصةَ جهدهِ وفكرهِ في بحثٍ محكمٍ منْ حيثُ اللغةُ والمنهجُ والاستدلال، بهدفَ إثراء الحاضرينَ وإفادةُ المستمعين. وعندَ انتهاءِ المنتدى، يحصلَ الباحثُ على ورقةٍ بيضاءٍ منْ الورقِ السميكِ تسمى (  شهادةٌ تقديريةٌ ) ، لا تتجاوزُ قيمتها ألفَ دينارٍ في شارعِ المتنبي، مؤطرةً بإطارٍ يحملُ شعارَ الجهةِ المنظمةِ بعدها يخرجُ الباحثُ منْ المؤتمر، يبحثَ عنْ سيارةِ أجرة، بعشرةِ آلافِ دينار، لتعيدهُ إلى منزله، حيثُ تنتظرهُ عائلتهُ بفارقِ الصبر، لما يحملهُ الأبُ الفيلسوفُ منْ تكريم، بعدُ أنْ أتعبهم بسهرِ الليالي والعملِ المتواصلِ على البحث، معَ أكوابِ القهوةِ والشايِ المتوالية التي تقدم له، وبعدٌ أنْ تعرفتْ زوجتهُ البريئةُ على هذا التكريم، تذهب لتخففَ منْ حزنهِ وصدمته بالقول: " هاي، وينَ أعلكها؟ ".

   في المقابل، نرى في بعضِ الدولِ التي، تحترم العلم والعلماء والمثقفين، فنجدُ أنَ التكريمَ يحملُ معنى أوسع، إذْ إلى جانبِ الشهادةِ التقديرية، يرفقَ عادةَ مبلغٍ نقديٍ أوْ صكٍ ماليٍ يقدمُ للمشاركِ أمامَ الحضورِ وبالتصفيقِ له، حتى لوْ كانَ رمزيا، فإنَ هذا الدعمِ الماديِ والمعنوي، يخففَ منْ وطأةِ الجهدِ والتعب، ويعكسَ نهجا أفضلَ يقدرُ قيمةَ الباحثِ وعمله.

   حتى الفاشست المعروفِ بلقبِ " أبي جنةً " لجأَ مؤخرا إلى توزيعٍ (مظاريف ماليةٍ صغيرة) خلالَ مسابقاتٍ أقيمتْ لهُ في بعضِ المحافظات، حيثُ كانَ يحتوي كلُ ظرفٍ على مبلغٍ يصلُ إلى خمسةِ ملايينِ دينارٍ أوْ أكثر، بهدفَ الترويجِ لبضاعتهِ أوْ لاسمه. . .!

   في الماضي، كانَ الشعراءُ يكافئونَ بــــ ( صررِ) منْ المالِ أو الذهب منْ الخليفةِ أوْ أميرِ المؤمنينَ عندَ إلقائهمْ أبياتا شعرية ، أما اليوم، فإنَ الشاعر، حتى لوْ كتبَ ألفُ قصيدة، وبمستوى قصائدِ الشاعر ( امرئْ القيس)، كما في قصيدةٍ " تعلقُ قلبي "، فلنْ يجدَ  مكرمنا عندَ نهايةِ الحفل، سوى الوريقةِ الكارتونيةِ التي تسمى (شهادةٌ تقديرية) تكريما له. ولنخفف ألم التكريم ، لنستمتع في قراءة أصعب وأعذب أبياتهه الشعرية:

وكافٌ وكَفكافٌ وكَفِّي بِكَفِّهَ .......... وكافٌ كَفُوفُ الوَدقِ مِن كَفِّها انهَمل

فَلَو لَو ولَو لَو ثمَّ لَو لَو ولَو ولَو......  دَنَا دارُ سَلمى كُنتُ أَوَّلَ مَن وَصَل

 نتمنى أنْ ترفقَ مع كلُ شهادةٍ تقديريةٍ من الجهة المنظمة للمؤتمرات أو الندوات الثقافية أو العلمية، للمكرمين لمختلف النخب المثقفة ، بمبلغٍ ماليٍ رمزي، يقدمَ في ظرفٍ صغير، دعما للباحثينَ والمشاركينَ والمتميزينَ في مختلفِ المجالاتِ الثقافيةِ والعلمية المختلفة، بما يسهمُ في استدامةِ النشاط، وتعزيزَ روحِ التميزِ والتنافسِ الإيجابيِ ففي عالمٍ يسعى فيهِ الجميعُ للتميز، يصبح تكريمُ المبدعينَ ضرورةً لتشجيعِ الإنجازِ وتحفيزِ الطموح.

      يمكن الاقتداء بالإعلامي الكبير الأستاذ ( سعد البزاز) في نهجه الراقي بتكريم المبدعين والمتميزين عبر( قلادة الإبداع أو التميز)، التي جسّد من خلالها المعنى الحقيقي للتميّز، إذ جمع فيها بين القيم الأصيلة، والتقدير المستحق، والعطاء الكريم، فقد مزج بوعي بين الدعم المعنوي والمساندة المالية، تحفيزًا للمبدعين وتشجيعًا لهم على مواصلة الإبداع والتفوّق، وعكس هذا النهج التزامًا مهنيًا عاليًا، ورؤية واضحة، وقدرة حقيقية على تحقيق نتائج ملموسة، مما جعله نموذجًا يُحتذى به في مختلف المجالات.


مشاهدات 192
الكاتب محمد خضير الانباري
أضيف 2026/01/06 - 11:30 PM
آخر تحديث 2026/01/08 - 2:06 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 85 الشهر 5226 الكلي 13112649
الوقت الآن
الخميس 2026/1/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير