الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مجتمع إستعراضي على خشبة المنصات

بواسطة azzaman

مجتمع إستعراضي على خشبة المنصات

عدنان أبوزيد

 

تهزّ الواقعةُ التي شهدها أحد المسارح العراقية صورة المجتمع أكثر مما هزّت خشبة العرض، بعدما قفزت مراهقة قاصرة، لعناق مطرب أمام جمهور مذهول، في مشهد لم يعد مستغرباً بقدر ما أصبح دليلاً على تحوّل اجتماعي عميق تصنعه منصّات التواصل قبل أن تصنعه البيوت.

تكشف الضجة التي أعقبت الحادثة أن تأثير التواصل تجاوز حدود الترفيه، ليمتد إلى تشكيل السلوك العام وإعادة تعريف المسموح والممنوع عبر نمط جديد من النجومية السريعة، حيث تُمنح الأضواء لمن يجرؤ أكثر لا لمن يقدّم قيمة، فتتحول الجرأة إلى عملة اجتماعية يتداولها الجميع دون حساب.

ولم يعد غريباً أن تتحوّل حتى نشاطات شيوخ العشائر وواجهات المجتمع إلى بثّ مباشر، عبر الهواتف، وصولاً إلى حفلاتالدية العشائريةالتي تستعرض فيها المليارات من الدنانير، كتعويض، وتُعرض حيّة على المنصّات وكأنها عروض اجتماعية تُستهلك للفرجة.

ويتعقّد المشهد أكثر عند أبواب السياسة، بعدما اندفع مدونون ومشاهيرالتيك توكإلى الترشح للانتخابات معتقدين أن جيوش المتابعين ستترجم الإعجابات إلى أصوات حقيقية. لكن المفاجأة كانت صادمة: لا أحد انتخبهم، لأن الشعبية الرقمية لم تستطع عبور الصندوق إلى الواقع.

وتتسلل عدوى الاستعراض إلى الطقوس الدينية نفسها، فتتحول من ممارسة روحانية، خاصة بك، إلى محتوى بصري يبتعد شيئاً فشيئاً عن جوهر الدين، ويوسّع الهوة بين الإيمان الحقيقي وبينالاستعراض الديني” الذي تصنعه عدسة الهاتف.

تتراجع ثقافة العيب والستر أمام موجات الحرية غير المنضبطة، حيث يجري تقديم الجرأة على أنها معيار للحضور، ويجري تجاوز العادات والتقاليد والمحددات الدينية بثقة صادمة.

وما يثير الدهشة أن مجتمعاً محافظاً كالعراق بات يتصدر إنتاج المحتوى الهابط، ويحوّله إلى نشاط يومي يطغى على صورته الحقيقية.

تفقد المدرسة والمسجد والجامعة والأسرة أدوارها كمرجعيات للسلوك، بعدما صارت المنصّات منافساً شرساً يزرع قيماً جديدة عبر طبقة غريبة من المؤثرين العابرين، بلا جذور ولا حضور واقعي، لكنها قادرة على تشكيل الأذواق وتوجيه السلوكيات بعد أن تشكلت لغة اجتماعية جديدة تختلط فيها السخرية بالجد، حتى باتت القضايا الأخلاقية تُناقش بروح الترند لا بروح المسؤولية، والحسّ العام يلهث خلف سرعة التداول لا عمق التفكير.

أن محاولات الضبط التقليدية من قوانين وخطب دينية، وتحذيرات اجتماعية ورقابة أسرية، لم تعد قادرة على إيقاف طوفان الشهرة، ولا على مواجهة جاذبية الظهور التي تحكم جيل المنصّات المهيمن على الهواتف، والصانع لموجة هادئة منالهجرة القيمية حيث تنتقل أعراف غريبة من بيئات بعيدة لتستقر في المجتمع المحلي بلا مقاومة.

 تبدو الحاجة ملحّة اليوم لوضع معالجات عصرية تنظّم هذا الانفلات، وتحمي المجتمع قبل أن تفقد قيمه، آخر خطوط الدفاع.


مشاهدات 85
الكاتب عدنان أبوزيد
أضيف 2025/11/29 - 2:27 AM
آخر تحديث 2025/11/29 - 10:10 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 14 الشهر 21662 الكلي 12783165
الوقت الآن
الأحد 2025/11/30 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير