الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تضاريس متقلبة.. جغرافيا الانهيار وتحولات الذات في النص الشعري
ربيع ابراهيم


تضاريس متقلبة.. جغرافيا الانهيار وتحولات الذات في النص الشعري

ربيع ابراهيم

 

ينتمي نص “تضاريس متقلبة” للشاعر سوران محمد المنشور في العدد ٣١/١٠/٢٠٢٦في جريدة الزمان الدولية إلى الكتابة الشعرية النثرية التي تتخذ من الصورة الرمزية أداةً لتفكيك الواقع الإنساني واستكشاف التحولات النفسية والوجودية التي تصيب الفرد والجماعة. فمنذ العنوان، يضعنا النص أمام عالم غير مستقر، لا تتخذ تضاريسه شكلها النهائي، بل تظل عرضة للتحول والانقلاب، وكأن الطبيعة الخارجية ليست سوى انعكاس لاضطراب داخلي أعمق.

ولا يبدو التقلب في النص مجرد ظاهرة مناخية أو انتقال من حالة شعورية إلى أخرى، بل يتحول إلى استعارة كلية لحالة الوجود الإنساني حين تتصدع منظوماته الأخلاقية والعاطفية والمعرفية. فالنسمة تتحول إلى برق، والدمعة إلى فيضان، والضوء إلى حريق، والمعرفة إلى فضاء يطل منه الموت، بينما تنتهي الحركة كلها أمام مرآة لا يستطيع النرجس أن يرى فيها صورته.

ومن هنا، يمكن النظر إلى النص بوصفه محاولة شعرية لتصوير انهيار المعنى، لا من خلال خطاب مباشر أو موقف تقريري، وإنما عبر شبكة من الصور الطبيعية والأسطورية والوجودية التي تتفاعل لتنتج فضاءً شعرياً مشحوناً بالقلق والأسئلة.

يحمل عنوان “تضاريس متقلبة” دلالة تتجاوز المعنى الجغرافي المباشر. فالتضاريس تحيل إلى الأرض وتكويناتها، وإلى الاختلافات التي تمنح المكان هويته وملامحه. غير أن إسناد التقلب إليها يخلخل هذا الاستقرار، ويجعل الأرض نفسها موضوعاً للتحول المستمر.

ويمكن قراءة العنوان باعتباره استعارة للبنية النفسية والوجدانية للإنسان المعاصر؛ إذ لم تعد المشاعر والقيم والعلاقات مناطق مستقرة يمكن الركون إليها، بل أصبحت أشبه بأرض تتعرض للزلازل والعواصف والانهيارات.

واللافت أن العنوان لا يحدد طبيعة هذه التضاريس، ولا يربطها بمكان جغرافي بعينه، الأمر الذي يمنحه اتساعاً دلالياً يسمح بقراءة النص على مستويات فردية واجتماعية ووجودية.

إنه عنوان يهيئ القارئ لتلقي نص لا يبحث عن وصف عالم مستقر، بل عن رصد لحظات اختلاله.

يفتتح النص مقاطعه المتعددة بعبارة “في البدء”، وهي عبارة ذات حمولة تناصية واضحة تستدعي لغة التكوين والبدايات، لكنها تؤدي هنا وظيفة مغايرة؛ فالبداية لا تقود إلى الخلق والاستقرار، وإنما إلى الانهيار والتحول.

يقول الشاعر:

“لم تكن سوى نسمة... ثم جاء ذلك البرق، ومزّق سماء الأمس”.

تقوم هذه الصورة على مفارقة بين رقة البداية وعنف النتيجة. فالنسمة، بما تحمله من إيحاءات الهدوء واللطف، تتحول إلى برق يمزق السماء. ويؤسس هذا الانتقال لمبدأ جمالي يتكرر في النص: الأشياء لا تظل وفية لطبيعتها الأولى، بل تحمل في داخلها إمكانية التحول إلى نقيضها.

ويكتسب هذا البناء أهمية خاصة في ضوء الانتقال من الصورة الطبيعية إلى الصورة الوجدانية؛ فتمزيق السماء يتبعه انتزاع الأبواب من أطرها، ثم غرق القلوب في الأحزان. وبذلك تتحول الكارثة من حدث كوني متخيل إلى تجربة إنسانية تمس العلاقات والذاكرة والألفة.

وتبلغ الصورة ذروتها في العبارة:

“أن الوجد، والوفاء، والألفة قد تحوّلت، منذ أمد بعيد، إلى مثلث برمودا”.

هنا يستدعي النص مثلث برمودا بوصفه رمزاً للاختفاء والغموض والابتلاع. وهو اختيار يخلق مفارقة لافتة؛ فالقيم التي يُفترض أن تمنح العلاقات الإنسانية تماسكها تتحول إلى فضاء يبتلعها.

في المقطع الثاني، يعيد النص بناء الحركة السابقة من خلال صورة مختلفة:

“في البدء، كانت دمعة صغيرة... ثم صارت فيضانًا، ثم عاصفةً صيفيةً متهورة”.

تتجسد هنا آلية التصعيد الدلالي بوضوح؛ فالدمعة تمثل الحد الأدنى من التعبير الوجداني، لكنها تتضخم تدريجياً حتى تصبح فيضاناً وعاصفة.

وهذا التدرج لا يؤدي وظيفة تصويرية فحسب، بل يشير إلى تراكم الألم حين لا يجد منفذاً للتعبير أو الاحتواء. فالانهيار الكبير قد يبدأ من انفعال صغير أُهمل أو لم يُفهم في حينه.

وتتسع دائرة الدمار لتشمل “أكواخ الثقة الهشّة” و“فوانيس البصيرة”. وتكشف الصورتان عن مستويين متكاملين من الانهيار: انهيار العلاقة بالآخر، وانهيار القدرة على الرؤية والحكم.

أما السؤال: “فمن أيّ الجهات، يا ترى، سيعود النور إلى مدينة الأرواح العتيقة؟”

فيمثل انتقالاً من التصوير إلى المساءلة الوجودية. فالمدينة هنا ليست مجرد مكان، بل كيان رمزي يمثل الذاكرة الجمعية والروح الإنسانية المتراكمة عبر الزمن.

وتكمن المفارقة في أن المدينة، على الرغم من تحطم أعمدتها ودفن ذكرياتها تحت الأنقاض، ما زالت واقفة. وهذه المفارقة تفتح احتمالين تأويليين: إما أن البقاء صورة من صور المقاومة الإنسانية، وإما أنه استمرار شكلي لكيان فقد مقومات حياته الداخلية.

ومن هذه الزاوية، لا يعود الخراب مرادفاً للفناء الكامل، بل يصبح حالة معلقة بين الموت والاستمرار.

يشكل المقطع الثالث منعطفاً فكرياً مهماً، إذ ينتقل النص من الصور الطبيعية والوجدانية إلى استحضار صوت شعري تراثي من خلال الإشارة إلى الشاعر الكردي محوي.

واللافت أن الاستشهاد لا يأتي بوصفه زينة ثقافية أو إحالة تاريخية، وإنما يؤدي وظيفة تفسيرية وتأويلية تتصل برؤية النص للعالم.

فالبيت المنقول، وفق الترجمة التقريبية المرفقة، يستحضر فكرة الدنيا بوصفها دار خراب، ويطرح سؤالاً عن جدوى لوم من يسيء التصرف في حالة السكر.

وهنا يستثمر النص هذا التصور ليعيد مساءلة العلاقة بين المعرفة والمسؤولية، وبين إدراك الخراب والمشاركة فيه.

يقول: “فلماذا تمرّ من هنا، وأنت ترى الموت يرفع رأسه من أعلى نافذة في برج المعرفة؟”

تُعد صورة الموت في برج المعرفة من أكثر صور النص إثارة للتأويل. فالمعرفة، التي يفترض أن تكون وسيلة للتحرر والوعي، تتحول إلى برج يطل منه الموت. وهذا الانقلاب يطرح سؤالاً فلسفياً حول طبيعة المعرفة ذاتها: هل يكفي امتلاك المعرفة لإنقاذ الإنسان؟ أم يمكن أن تتحول المعرفة إلى سلطة شكلية منفصلة عن الحكمة والمسؤولية الأخلاقية؟

وتزداد الصورة حدة في المشهد التالي:

“ثم يترك المسافرين، واحدًا إثر آخر، يمضون تحته... فينحنون، ويقبّلون رأسه”.

إن فعل الانحناء وتقبيل الرأس يحمل دلالة تتجاوز الخضوع العابر، ليصبح علامة على التطبيع مع الموت، وربما على تحويله إلى مرجعية تُمنح التقديس.

ويمكن قراءة المسافرين بوصفهم أفراداً يمرون عبر مؤسسات المعرفة أو مسارات الحياة، لكنهم يفقدون قدرتهم على مقاومة ما يهدد وجودهم.

ومع ذلك، ينبغي عدم حصر هذه الصورة في معنى واحد؛ إذ يمكن أن تشير أيضاً إلى الخضوع للسلطة الفكرية حين تنفصل عن غاياتها الإنسانية.

وتبرز هنا قيمة التناص مع محوي: فالحوار بين الصوت الصوفي القديم والصوت الشعري المعاصر يخلق امتداداً زمنياً لسؤال الخراب، وكأن الشاعر يعلن أن مأزق الإنسان ليس وليد اللحظة الراهنة وحدها، بل هو سؤال وجودي متجدد.

يأتي المقطع الرابع مختلفاً في نبرته وبنائه، إذ يتراجع فيه العنف التصويري المباشر، لتحل محله صورة المساء والشخصية الشاردة:

“كان أزرقَ غامقًا، بلون سماءٍ شتوية، حين انسحب المساء من آخر خيطٍ للضوء”.

يمنح اللون الأزرق الغامق المشهد بعداً نفسياً يتصل بالبرودة والعزلة والاغتراب. كما أن انسحاب المساء من آخر خيط للضوء يوحي بانتقال من حالة إلى أخرى، لكن هذا الانتقال لا يحمل وعداً بالتجدد، وإنما يترك الشخصية في مواجهة عزلتها.

وتتجسد الغربة في صورة “ذلك الشريد الذي أبى أن يرتدي قمصان هذا الموسم”.

تبدو الملابس هنا علامة على الانتماء إلى زمن معين أو التكيف مع شروطه. ورفض ارتدائها يمكن أن يُقرأ بوصفه رفضاً للامتثال، أو عجزاً عن الانسجام مع التحولات المحيطة.

أما الرحيل عارياً وحمل عبء العمر على الكتف، فيمنح الصورة طابعاً وجودياً؛ فالإنسان يغادر الزمن دون أقنعته وأغطية التكيف، حاملاً ثقله الداخلي وحده، وقد يكون الغموض مقصوداً.

يعود النص في المقطع الخامس إلى صيغة البداية:

“في البدء، كان هناك ضوء شمعة. ثم جاء ذلك الرعد الغاضب!”

هنا الضوء الذي كان يمكن أن يمثل بداية أمل، يتحول إلى مقدمة لاندلاع النار.

وتكمن أهمية هذه الصورة في أن النار لا تميز بين العشب اليابس والأخضر، بل تحرق “عشب الكرم والنماء” أيضاً. وهنا تتجاوز الكارثة حدود إزالة العناصر الفاسدة، لتطال إمكانات الحياة ذاتها.

إنها صورة للخراب الذي لا يكتفي بهدم ما فقد صلاحيته، بل يهدد أيضاً ما لا يزال قابلاً للنمو.

ويستمر هذا المعنى في عبارة:

“وتكدّرت جداول المعرفة”.

فالمعرفة، التي ظهرت في المقطع السابق في صورة برج يطل منه الموت، تظهر هنا في صورة جداول فقدت صفاءها. وبين الصورتين علاقة دلالية واضحة؛ إذ لم تعد المعرفة قادرة على أداء وظيفتها التنويرية، سواء بسبب تحوّلها إلى سلطة مخيفة أو بسبب تلوث منابعها.

أما السؤال:

“فما الذي أنجب هذا الخراب الداكن؟”

فيعيد النص إلى نقطة البحث عن الأصل والسبب. وهو سؤال لا يقدم إجابة مباشرة، لكنه يضع القارئ أمام احتمال أن الخراب ليس حادثاً مفاجئاً، بل نتيجة تراكمات طويلة.

وتتجلى هذه الفكرة في انحراف الزمن نفسه:

“لقد ضلّ الوقت الطريق، وصارت تقاويمه غريبةً عن الذاكرة”.

وهذه من الصور التي تستحق اهتماماً خاصاً؛ فالوقت لا يتحرك هنا وفق مساره المعتاد، بل يفقد طريقه، وتصبح تقاويمه غريبة عن الذاكرة. وبذلك لا يقتصر الاضطراب على المكان والعلاقات والمعرفة، بل يمتد إلى الإحساس بالزمن ذاته.

إنها صورة للإنسان الذي لم يعد قادراً على تنظيم تجربته في الماضي والحاضر والمستقبل، لأن المعايير التي كان يستند إليها قد اختلت.

وهكذا يبلغ النص ذروته الرمزية في المقطع الأخير، من خلال استدعاء شخصية نرجس، المرتبطة في الموروث الأسطوري بالافتتان بالصورة الذاتية.

غير أن الشاعر يعيد تشكيل الرمز بطريقة تنقلب على دلالته المألوفة:

“يقف نرجسٌ قصيرُ العمر، متحيّرًا في مزهرية أمام مرآة في غرفة النوم”.

إن نقل نرجس من فضاء الماء الأسطوري إلى مزهرية داخل غرفة النوم يخلق تحويلاً لافتاً في السياق. فهو لم يعد كائناً أسطورياً يتأمل انعكاسه في الطبيعة، بل أصبح زهرة محصورة في وعاء منزلي، أمام مرآة اصطناعية.

ويضيف وصفه بأنه “قصير العمر” بعداً فنائياً إلى الرمز؛ فالجمال هنا لا يملك ضمانة الاستمرار، والذات التي تبحث عن صورتها محاصرة بزمن محدود.

لكن المفارقة الكبرى تأتي في النهاية:

“يحدّق في صورته... ولا يرى شيئًا”.

إنها مفارقة تنقلب فيها أسطورة نرجس على ذاتها. ففي الحكاية المعروفة، كانت الصورة سبباً في الافتتان، أما هنا فالصورة غائبة أو عاجزة عن منح الذات أي تعريف.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن المرآة خالية من الانعكاس؛ فقد يكون النرجس نفسه قد فقد القدرة على التعرف إلى صورته.

وهنا تتجاوز القصيدة نقد الغرور الفردي إلى مساءلة أزمة الهوية. فالإنسان الذي يحدق في ذاته ولا يراها يمثل كائناً فقد الصلة بصورته الداخلية، ولم يعد قادراً على تحديد موقعه في العالم.

وبذلك تتكثف المقاطع السابقة في هذه النهاية: المدينة المهدمة، وجداول المعرفة المتكدرة، والتقاويم الغريبة، والقلوب التي فقدت ألفتها، كلها تجد صداها في ذات لم تعد تتعرف إلى نفسها.

إنها خاتمة لا تقدم حلاً، وإنما تترك القارئ أمام فراغ دلالي مقصود، وربما كان هذا الفراغ أكثر تعبيراً عن الخراب من أي وصف مباشر له.

من الناحية الفنية، يعتمد النص على تعدد الحقول التصويرية، وفي مقدمتها الطبيعة والمناخ والمكان والذاكرة والأسطورة. وتنتظم هذه الحقول ضمن شبكة من الثنائيات: الضوء والظلام، البداية والنهاية، الحياة والموت، المعرفة والجهل، الحضور والغياب، الصورة واللا صورة.

كما يوظف الشاعر التكرار، ولا سيما عبارة “في البدء”، باعتباره أداة لبناء إيقاع داخلي يربط المقاطع، ويمنحها إحساساً بتجدد الكارثة.

وتتميز اللغة بقدرتها على تحويل المفاهيم المجردة إلى كيانات محسوسة؛ فالثقة أكواخ، والبصيرة فوانيس، والمعرفة جداول وأبراج، والزمن كائن يضل الطريق. وهذه القدرة على التجسيد تمثل إحدى أبرز نقاط القوة في النص.

في الختام يمكن قراءة “تضاريس متقلبة” بوصفه نصاً عن انهيار التوازنات الإنسانية، وعن التحولات التي تصيب القيم والذاكرة والمعرفة والهوية. وهو لا يتعامل مع الخراب باعتباره مشهداً خارجياً فحسب، بل يكشف عن انتقاله التدريجي إلى الداخل، حتى يبلغ الذات نفسها.

وتتمثل القيمة الأعمق للنص في حركته من العالم إلى الإنسان: يبدأ بالنسمة والبرق، ثم ينتقل إلى القلوب والمدن والمعرفة والزمن، وينتهي بالنرجس أمام المرآة.

وهذه الحركة ليست مجرد ترتيب للمشاهد، بل هي مسار فلسفي من انهيار المحيط إلى انهيار المركز، ومن اضطراب العالم إلى اغتراب الذات عن صورتها.

ولعل السؤال الذي يتركه النص مفتوحاً ليس: كيف انهارت الأشياء؟ بل: ماذا يبقى من الإنسان حين يفقد قدرته على التعرف إلى نفسه؟

إن قوة الخاتمة تكمن في أنها لا تجيب عن هذا السؤال، وإنما تجسده في صورة نرجس يحدق في المرآة ولا يرى شيئاً.

وبذلك ينجح النص، في لحظاته الأكثر كثافة، في تحويل الصورة الشعرية إلى سؤال وجودي، وفي جعل الخراب تجربة تتجاوز حدود المكان والزمان لتلامس أزمة الإنسان في علاقته بذاته وبالعالم.


مشاهدات 99
الكاتب ربيع ابراهيم
أضيف 2026/11/02 - 2:37 PM
آخر تحديث 2026/11/03 - 7:21 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 650 الشهر 5075 الكلي 16655609
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/11/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير