الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الإستثمار بوابة إلى المستقبل

بواسطة azzaman

الإستثمار بوابة إلى المستقبل

محمد خضير الأنباري

 

تابعتْ اللقاءَ الصحفيَ لرئيسِ مجلسِ الوزراءِ في برلين، وما وجهه منْ دعوةٍ إلى المستثمرينَ للتوجهِ إلى بغداد، معَ التأكيدِ على تقديمِ التسهيلاتِ اللازمةِ لهم، وهيَ رسالةٌ تحملُ في مضمونها إدراكا واضحا لأهميةِ الاستثمارِ في بناءِ الاقتصادِ العراقي، ولا سيما إذا اقترنَ ذلكَ بإرادةٍ حقيقيةٍ لتجاوزِ البيروقراطيةِ وتسهيلِ عملِ المستثمرِ الجاد.

إن عراق اليومَ لا يحتاجُ إلى مجردِ رؤوسِ أموالٍ تدخلُ السوق، وإنما يحتاجُ إلى استثمارٍ بمعناهُ المتقدم؛ استثمار يأتي بالتقنيةِ والخبرةِ والإدارةِ الحديثة، ويوفرُ فرصَ العمل، ويخلقُ صناعاتٍ جديدة، ويسهمُ في تنويعِ الاقتصاد، ويشاركُ في بناءِ البنيةِ التحتية، ويتركُ أثرا مستداما في الاقتصادِ الوطني.

في هذا السياق، قرأتْ مقالاً أوْ بحثا قانونيا واقتصاديا رائعا، على شكلِ رسالةٍ للدكتورِ سعيدِ مرادٍ بيرْ مراد، أستاذ القانونِ الدوليِ والدبلوماسيِ العراقيّ السابق المقيم في ألمانيا، موجهة إلى رئيسِ مجلسِ الوزراء، تناولَ فيها عددا منْ النقاطِ والمعوقاتِ التي قدْ تواجهُ المستثمرَ الأجنبيَ أوْ الألمانيّ في العراق، عندَ التفكيرِ في الدخولِ إلى السوقِ العراقية.

ركزَ المقال، منْ بينِ أمورٍ أخرى، على البيروقراطيةِ وتعقيدِ الإجراءاتِ والروتين، وما يثارُ بشأنِ الفساد، وبعض الممارساتِ التي قدْ تعرقلُ وصولَ الشركاتِ الرصينةِ والمستثمرينَ الحقيقيينَ إلى العراق.

هنا تكمنُ المسألةُ الأساسية: هلْ نريدُ مستثمرا حقيقيا أمْ مجرد وسيط؟

إنَ الشركات العالميةَ ذات الخبرةِ والسمعةِ الدولية، لا تبحثُ فقطْ عنْ فرصةٍ استثماريةٍ مربحة، وإنما تبحثُ قبلَ ذلكَ عنْ بيئةٍ قانونيةٍ واضحة، وإجراءات محددة، وقرار إداريّ سريع، وقضاء يحمي الحقوق، ومؤسسات لا تتغيرُ قواعدها بتغيرِ الأشخاص، وهيَ لا تأتي إلى بلد؛ لكيْ تدخلَ في دوامةٍ منْ المراجعاتِ والموافقاتِ غيرِ المنتهية، أوْ لكيْ تبحثَ عنْ وكيلٍ أوْ وسيطٍ يختصرُ لها الطريق، لأنَ الاستثمارَ الحقيقي، لا يزدهرُ في بيئةٍ يكونُ فيها التعقيدُ الإداريُ أقوى منْ النص القانوني.

منْ هنا، فإنَ الدعوةَ إلى المستثمرينَ في الخارجِ ينبغي أنْ ترافقها، رسالةٌ أخرى إلى الداخل: افتحوا الأبوابَ أمامَ المستثمر، وأغلقوا أبوابَ الابتزازِ والوساطةِ غيرِ المشروعة، ليسَ المقصودُ إلغاءَ الضوابطِ أوْ فتحَ السوقِ بلا تنظيم، فالدولةُ مطالبة بحمايةِ المالِ العامِ والمصلحةِ الوطنية، ولكنَ الفرقَ كبيرٌ بينَ الرقابةِ التي تحمي الدولةَ والبيروقراطيةَ التي تعطلُ الدولة.

إنَ مكافحةَ الفسادِ لا تكونُ بالشعارات، وإنما بإجراءاتٍ واضحة، وشفافية، ومسؤوليةٍ قانونية، ورقمنة للمعاملات، وتقليل الاحتكاكِ المباشرِ بينَ المستثمرِ والموظف.

خلالَ قراءتي لتجاربِ الدولِ في هذا المجال، توقفتْ عندَ قانونِ الاستثمارِ المصريِ رقم (72) لسنةِ 2017، الذي ينظمُ الاستثمار المحليّ والأجنبيّ ضمنَ إطارٍ قانونيٍ واحد، ويتضمنُ ضماناتٍ لحمايةِ رأسِ المالِ والمشروعات، وتسهيلات في تأسيسِ الشركاتِ والحصولِ على التراخيص، فضلاً عنْ حوافزَ استثماريةٍ عامةٍ وخاصةٍ وإضافية، ولا يعني ذلكَ أنَ التجربةَ المصريةَ تصلحُ للنقلِ الحرفيِ إلى العراق، فلكلِ دولةِ ظروفها الاقتصاديةِ والقانونيةِ والإدارية، ولكنْ منْ حقنا أنْ نسأل: ماذا يمكنُ أنْ نتعلمَ منْ هذهِ التجارب؟

ما الذي يمكنُ أنْ نطورهُ في تشريعاتنا وإجراءاتنا؟ فلعراقٍ لا يفتقرُ إلى قانونِ استثمار؛ فقانونُ الاستثمارِ رقم (13) لسنةِ 2006 وتعديلاته وضعَ عددا منْ الضماناتِ والحوافز، كما أنَ الهيئةَ الوطنيةَ للاستثمارِ تتحدثُ عنْ النافذةِ الواحدة، وتخصيص الأراضي، وتسهيل إجراءاتِ الترخيص، وتوفيرِ الخرائطِ والفرصِ الاستثماريةِ للمستثمرين.

في السنواتِ الأخيرةِ ، ناقشت، مقترحاتٍ لتعديلِ قانونِ الاستثمارِ بهدفِ تعزيزِ البيئةِ التشريعيةِ والاستثمارية، فالقضيةُ ليستْ دائما في غيابِ النص، وإنما في كيفيةِ تطبيقِ النص، وتوحيدِ الإجراءات، ومحاسبةِ منْ يعرقلها، وإبعاد الاستثمارِ عنْ العلاقاتِ والوساطات.

فرصٍ استثماريةٍ

يمتلكُ العراق، ما يجذبُ المستثمر: موقعٌ جغرافيٌ مهم، وثرواتٍ طبيعية، وسوقا واسعة، وحاجة كبيرة إلى مشاريعِ الإسكانِ والطاقةِ والنقلِ والصناعةِ والزراعةِ والسياحةِ والخدمات، وما يحتاجُ إليهِ هوَ تحويلُ هذهِ المزايا إلى فرصٍ استثماريةٍ واضحة، وإلى بيئةٍ تجعلُ المستثمرَ الرصينَ يقول: العراقُ مكانٌ مناسبٌ للاستثمار.

إنَ دعوةَ المستثمرينَ، إلى بغدادَ خطوةٌ مهمة، لكنْ الأهمّ منها أنْ يجدَ المستثمر عندما يصلُ إلى بغدادَ دولة ومؤسسات وقانون وإدارة تعملُ بالسرعةِ والوضوحِ نفساهما اللذينِ وعدَ بهما، فالاستثمارُ المتقدمُ ليسَ مجرد مشروعٍ يقام، أوْ رأس مالٍ يدخل، أوْ أرباح تخرج؛ إنهُ شراكةٌ بينَ الدولةِ والقطاعِ الخاص، ونقل للمعرفة، وتوفير لفرصِ العمل، وبناء للاقتصاد، وتعزيز لقدرةِ العراقِ على أنْ ينتقلَ منْ اقتصادٍ يعتمدُ على موردٍ واحدٍ إلى اقتصادٍ أكثرَ تنوعا وإنتاجا.

هنا تبدأُ المسؤوليةُ الحقيقية: إنْ ندعُ المستثمرَ إلى العراق، ثمَ نهيئْ العراقَ ليكونَ جديرا بهذهِ الدعـــــــــوة.

إن العالمُ لا ينتظرُ العراق؛ والمستثمر الحقيقيّ لديهِ خياراتٌ كثيرة. ومنْ يردُ أنْ يأتيَ إلى بغدادَ لا يحتاجُ إلى الكلامِ وحده، بلْ يحتاجُ إلى أنْ يرى أمامه، أتونا واضحا، وإدارة نزيهة، وإجراء سريعا، وقـــــــــضاء يحمي الحقوق. تلكَ هيَ صورةُ الاستثمارِ بمعناهُ المتقدم، وذلكَ هوَ الطريقُ منْ الدعوةِ إلى الاستثمارِ إلى صناعةِ بيئةٍ استثماريةٍ حقيقية.

 

 


مشاهدات 47
الكاتب محمد خضير الأنباري
أضيف 2026/09/21 - 3:30 PM
آخر تحديث 2026/09/22 - 12:55 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 122 الشهر 36703 الكلي 16569223
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير