الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مغنية الحي التي لا تُطرب.. والتعلّق بأذيال الآخر


مغنية الحي التي لا تُطرب.. والتعلّق بأذيال الآخر

شوقي كريم حسن

 

الفكرة المحزنة حقاً أن وراء أكمة معرض بغداد للكتاب ما وراءها، وأن تحت شعار «شيلني اليوم حتى أشيلك غداً» تجري عملية شيلة ثقافية لا تحتاج إلى كثير من الشرح. فالشيلة واضحة، والكتف حاضر، والظهور تتسع لمن يحملها، فيما يُطلب من أصحاب الاختصاص وأهل الأهمية من العراقيين أن يمارسوا دوراً جديداً في المعرض: الدوّارة.يدور المثقف العراقي بين فروع المعرض، يتأمل هذا الكتاب، ويتحسر على ذاك، ويقلب كتاباً ثالثاً ثم يعيده إلى مكانه كمن يعيد طفلاً يتيماً إلى دار الأيتام، قبل أن يبحث عن كرسي يجلس عليه بصمت، انتظاراً لهلالٍ جاء من بلاده، منفوخ الريش، ليقص علينا حكايات أهلنا التي نحفظها جميعاً عن ظهر قلب.

ولا ندري هنا: هل جئنا إلى معرض بغداد للكتاب لنسمع ما لا نعرف، أم جئنا لنكتشف أن ما نعرفه يحتاج إلى ختمٍ من خارج الحدود كي يصبح جديراً بالاستماع؟

أما المساكين من الأدباء، فكان الله في عونهم.يُعلن عن احتفاء بتوقيع كتاب، فتتهيأ النفس لمشهد ثقافي يليق ببغداد؛ تقول في سرك: لعلها أمسية جميلة، لعل الكاتب سيجد من يقرأه، لعل الكتاب سيأخذ شيئاً من حقه.

لكن الحال غير الحال.شيخ حزين، بائس، يضع أمام عينيه عصارة جهده، كتاباً جمع فيه سنوات عمره، ودفع من صحته وماله ووقته كي يرى اسمه مطبوعاً بين دفتي كتاب. يجلس إلى طاولته مثل دلالٍ ينتظر من يطرق بابه.

يمر الناس أمامه.واحد ينظر إلى الغلاف ثم يواصل السير.ثانٍ يسأل عن اسم الكاتب، وحين يعرفه يبتسم ابتسامة من اكتشف أن الرجل لا يملك منصباً يستطيع أن يفيده به.

ثالث يقف قليلاً، لا ليشتري الكتاب، بل ليسأل: «هل فلان موجود؟».

وحين يقال له لا، يغادر وكأن المشروع الثقافي كله قد فقد معناه.ثم تبدأ حفلة التصوير.صورة هنا، صورة هناك، مسؤول يبتسم، ضيف يبتسم، ناشر يبتسم، والمثقف العراقي جالس في مكانه، ينتظر أن تبتسم له الثقافة مرة واحدة على الأقل.لكنها لا تفعل.

لأن الثقافة، في بعض أجنحة المعرض، يبدو أنها تعرف جيداً من ينبغي أن تبتسم له ومن ينبغي أن تكتفي بالنظر إليه من بعيد.

وهنا تصبح المسألة أكبر من معرض وكتاب وتوقيع.إنها مسألة عقل ثقافي.

لماذا يبدو العراقي، صاحب التجربة والمعرفة والذاكرة، أحياناً كأنه ضيف في معرض يقام في مدينته؟

ولماذا تتحول بعض الفعاليات إلى سباق محموم لاستيراد الأسماء، لا لاستضافة الأفكار؟

لسنا ضد الضيف العربي، ولا ضد المثقف القادم من أي مكان. بغداد مدينة لا تغلق أبوابها في وجه أحد، بل إن من طبيعتها أن تكون بيتاً للثقافة العربية. لكن المشكلة تبدأ حين يصبح الضيف هو الأصل، ويصبح صاحب الدار مجرد موظف استقبال يحمل حقيبة الزائر ويدله على مكان الجلوس.المشكلة ليست في أن نستضيف الآخر.

المشكلة أن نستضيف الآخر ونحن نهمّش أنفسنا.أن نحتفي بشاعر عربي لأنه جاء من بلد آخر، بينما شاعر عراقي يقف على بعد أمتار من المنصة ولا يجد من يسأل عن كتابه.أن نملأ القاعة للاستماع إلى قصة يعرفها الجمهور، فقط لأن راويها جاء بجواز سفر مختلف.ثم نعود في نهاية اليوم لنتحدث عن «دعم الثقافة العراقية»!

أي دعم هذا الذي يحتاج فيه الكاتب العراقي إلى أن يصبح أجنبياً كي يحصل على مقعد؟

وأي معرض للكتاب هذا الذي يصبح فيه الكتاب العراقي هو الأقل حظاً في معرض يحمل اسم بغداد؟

الأمر أشبه بمغنية الحي التي لا تُطرب أحداً، لكنها تصر كل عام على إقامة حفلة جديدة، وتدعو إليها الجيران، ثم تستغرب لماذا خرج الجمهور وهو يضع أصابعه في أذنيه.

لكن المشكلة ليست في أن المغنية لا تطرب.المشكلة أنها مقتنعة بأن التصفيق جزء من برنامج الحفل.

وهكذا يتحول المعرض من مناسبة لاكتشاف الكتب إلى مناسبة لاكتشاف العلاقات.

من يعرف من؟

من دعا من؟

من يصور مع من؟

ومن يكتب عن من؟

ومن يعيد الجميل غداً؟

حتى صار شعار المرحلة الثقافية غير المعلن:

«صفّق لي اليوم، أمدحك غداً

أما الكتاب، ذلك الشيء الغريب الذي يحمل اسمه المعرض، فيجلس في الزاوية بهدوء، وكأنه جاء بالخطأ.

وربما أكثر ما يثير الحزن أن بعض الأدباء العراقيين لم يعودوا ينتظرون الاحتفاء، بل صاروا ينتظرون فقط ألا يُنسوا.وهذه، في حد ذاتها، كارثة.

أن يصل المثقف إلى مرحلة لا يطلب فيها شيئاً سوى أن يُعامل كصاحب حق، لا كزائدٍ على جدول الضيوف.

نحن لا نحتاج إلى معرض أكبر بقدر ما نحتاج إلى معرض أعدل.ولا نحتاج إلى أسماء أكثر، بل إلى معيار أوضح.

ولا نحتاج إلى مزيد من الأضواء على المنصات، بل إلى ضوء صغير يوضع فوق كتاب عراقي يستحق أن يُقرأ.

المعرض الناجح ليس بعدد الذين تصوّروا عند بوابته، ولا بعدد الأسماء التي وصلت بالطائرة، ولا بعدد حفلات التوقيع التي امتلأت بالتصفيق.

المعرض الناجح هو الذي يخرج منه القارئ وهو يقول:«اكتشفت اليوم كاتباً عراقياً لم أكن أعرفه

أما إذا خرج العراقي من معرض بغداد للكتاب وهو لا يعرف إلا أن ضيفاً جديداً جاء، وأن مسؤولاً صافح مسؤولاً، وأن صوراً كثيرة التُقطت، وأن كتبه المحلية بقيت على الطاولات تنتظر زائراً ضلّ طريقه إليها

فعلينا أن نسأل بصراحة:هل كان هذا معرضاً للكتاب، أم معرضاً للعلاقات العامة وقد وُضعت حوله بعض الكتب؟

والسؤال الأخير ربما هو الأكثر إزعاجاً:

حين تنتهي آخر فعالية، وتنطفئ آخر شاشة، ويغادر آخر ضيف، من يبقى مع الكتاب؟

يبقى الكاتب العراقي وحده.يجمع نسخ كتابه التي لم تُبع، يرتبها في صندوق، يحملها إلى سيارته أو بيته، ثم يقول لنفسه:«لعل العام المقبل يكون أفضل

ثم يأتي العام المقبل.

وتبدأ الشيلة من جديد.!!

 


مشاهدات 56
الكاتب شوقي كريم حسن
أضيف 2026/09/12 - 2:41 PM
آخر تحديث 2026/09/13 - 6:01 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 422 الشهر 20994 الكلي 16553514
الوقت الآن
الأحد 2026/9/13 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير