الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الهروب إلى أعالي الفرات.. جزّاع يفتح أبواب الجمال في (زخيخة)

بواسطة azzaman

الهروب إلى أعالي الفرات.. جزّاع يفتح أبواب الجمال في (زخيخة)

هاشم حسن التميمي

 

في كتابه الصغير الحجم، (85) صفحة من الحجم الصغير، والكبير في رؤاه وعرضه لأسئلة فلسفية، تلخّص لنا شظايا الفكر الفلسفي عبر عصوره المختلفة، من الكونفوشية ومرورًا باليونانية والإسلامية وعصارة التصوف، حتى الفلسفة الحديثة بكل اتجاهاتها، وهنا نجد صديقنا جزاع مثل ديوجين الكلبي، الفيلسوف اليوناني، يحمل فانوسه في وضح النهار، ويردد: «إنني أبحث عن إنسان». وحين اقترب منه الإسكندر المقدوني وجاء ليزوره، وسأله هل كان يحتاج شيئًا، فرفع رأسه ليقول: «ابتعد قليلًا عن ضوء الشمس»… وهكذا، ووسط هذه العتمة التي يعيشها الإنسان في هذا العصر الرقمي الذي أتمتَ ومكّنَنَ الإنسان، يحمل جزاع مفاتيحه (مفاتيح رضوان خازن الجنان ومفاتيح مالك خازن الجحيم…) ويحاول أن يفتح لنا كل الأبواب، أو يترك لنا أن نختار المفتاح الذي يناسب ذاكرتنا وندخل الجنة أو الجحيم، أو نقف حيارى بين كليهما، لكننا لا بد أن ندخل، مخيّرين أم مجبرين، ويخطئ من يعتقد أن قصده «زخيخة» فقط، فهي الكوّة التي سندخل ونسافر من خلالها إلى الأكوان كلها.

فهي، بوصفه، ليست موضوع حنين، بل بذرة إدراك، وكان مفتاحه الأول جماليات المكان عند الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار، والتي تتلخّص بـ«الدهشة المستعادة». فهو يرى أننا لا ندرك جمال العالم بعقولنا الهندسية الجافة، بل عبر أرواحنا الحالمة التي تعيد صياغة الأشياء اليومية، كالمنزل أو الشعلة أو القوقعة، إلى صور شعرية ساحرة

واستجاب جزاع لهذا المعيار، والتزم بدعوة باشلار: «يتحتم على الخيال أن يفرط في خياله كي يمتلك ما يكفي من الفكر»، فارتقى بمواقع زخيخة مقامًا للارتقاء بالمعنى، وكان خياله وحلمه أكبر من حدود الزمكان

ومن التجربة، وفي عمق الطبيعة، ينبعث نبات دامس، ومع ليل المادة تزهر ورود سوداء. وكما يقول باشلار، إن لكل إنسان في حياته ساعة من نور، سواء جاءت عن طريق الألم أو عن طريق الفرح، ساعة يدرك فيها رسالته الخاصة. وهكذا كانت رسالة أو ساعة نور جزاع: ترك بغداد وهرول بروحه إلى زخيخة، واصطحب معه محمد خليل كيطان، وهو فنان يعرف كيف يروي الحكايات العراقية وكيف يلتقط صورة، من الأرض وعبر درونه المحلّقة في السماء، تعيد دورة الزمن ليس للطبيعة، بل للحلم المتأجج في أعماق جزاع، لتكون هذه الاستعادة ومضة محبة لرجل تملكته روح زخيخة الممتدة لأجيال، وحملها معه وهو يقف متأملًا أمواج المتوسط، ويكتشف زخيخة في حدقات عيون طلبته في المدن الليبية.

إنه شقيقه الأكبر تركي الجزاع، الذي يشكل واحدًا من أغصان الشجرة المزبانية التي امتد عطاؤها إلى كل القارات، فحمل زياد كامرته التي ازدحمت بمشاهد زخيخة وهيت، لتؤطّر صور المدن الأمريكية بروح أعالي الفرات، وبقصص زخيخة، تلك الجنة المسالمة النائمة بهدوء على ضفاف الفرات، واستفاقت على صوت الوحش الداعشي وهو ينهش أجساد الشهداء، وما زالت ألغام حقده تتفجر اليوم تحت أقدام رعاة الأغنام وعابري السبيل… وامتدت دماء زخيخة إلى مبنى وزارة الخارجية، التي قُتلت فيه الحفيدة المزبانية الشابة فائزة أم بلال، وما زال عطرها يملأ المكان، مثل عطر بلقيس قباني التي مزّق جسدها الجميل تفجير السفارة العراقية في بيروت… وهذه بعض من أوراق زخيخة عن الألم، وهنالك حكايات للفرح والأمل لا يتسع المقال لذكرها

المفتاح الفرنسي الثاني الذي فتح فيه جزاع أبواب زخيخة هو إدغار موران، فيلسوف وعالم اجتماع اشتهر بمقترحاته العميقة حول «الفكر المركب» ورؤيته الفلسفية للحياة والإنسان، ومن أشهر أقواله: «نحن نحمل داخلنا، ليس الإنسانية والحياة بمجملها فحسب، بل كذلك الكون برمته تقريبًا، بما فيه لغزه الذي يرقد في أعماقنا…». ولعل أجمل ما يلخّص فكر موران هو قوله: «عالم بلا ذاكرة هو عالم بلا ضمير».

المفتاح الآخر لدخول زخيخة صنعه جزاع من فكر الصوفية ومقاماتها الروحية السامية، التي تعرف الزمان والمكان لا كأبعاد مادية جامدة، بل كتجلّيات إلهية متجددة وحركة روحية متصلة.

فيقول محيي الدين ابن عربي:

«الزمان مكان سائل، والمكان زمان متجدد».

ومعنى ذلك أن الزمان والمكان متلازمان وليسا منفصلين؛ فالزمان هو المكان في حالة حركة وسيولة، مثل ماء النهر الجاري، والمكان هو الزمان وقد اكتسب صورة ثابتة ومستقرة مؤقتًا، مثل مجرى النهر.

والدلالة من هذا الكلام أن العالم يتجدد في كل لحظة، وكل «آنٍ» هو خلق جديد ومستمر للوجود الإلهي.

نرى أن الزمان بمنظور طه جزاع، وهو التلميذ الوفي للمدرسة الصوفية التي سقاه منها درسًا ومعنى شيخه مصطفى الشيبي، الذي وصف آخر المتصوفة، ونجح في تفسير أشعار الحلاج وفك شفرة الشيعة والتصوف. واستمد من مشايخ التصوف الأفكار والإلهامات، ومنهم محيي الدين ابن عربي، الذي يرى أن «الزمان مكان سائل، والمكان زمان متجدد».

فماء النهر الجاري يشبه الزمان؛ فهو لا يتوقف ويتغير باستمرار. أما مجرى النهر نفسه فيشبه المكان؛ فهو الإطار الثابت الذي يحتوي ذلك، والخلاصة: تعني المقولة أن الزمان والمكان ليسا حقيقتين منفصلتين، بل هما متلازمان؛ فالزمان هو المكان في حالة حركة وسيولة، والمكان هو الزمن وقد اكتسب صورة ثابتة.

وهذا التأمل يذكرنا بالفيلسوف اليوناني هرقليطس، الذي اشتهر بإصراره على أن الوجود في تغير دائم، باعتبار التغير هو الجوهر الأساسي في الكون، كما جاء في قوله:

«لا يخطو رجل في نفس النهر مرتين أبدًا».

في المكان عند الصوفية تحدث «عجيبة الزمان» صورة، فالمكان يحمل بُعدًا رمزيًا، حيث يُعبّر عن التجربة الروحية الداخلية، ويُنظر إليه كمرآة للحالة، وهكذا كانت تجليات جزاع وإدراكه لصورة وزمان زخيخة لتكون لحظة كونية لا تتقيد بحدود الجغرافيا ولا بتوقيتات وتقويمات الزمان، فهي تحلّق في المطلق وتحطّم حاجز الباطن والظاهر

وهنا زاوج جزاع ما بين الرؤيتين، وجعل من زخيخة ومضة إضاءة لذاكرة قد تبدو شخصية، لكنها مؤطّرة بالحلم وبوعي كوني يتعدى حدود المكان الجغرافي والذاكرة الشخصية.

وهذا الكتاب، بوصف جزاع، «لا يكتب تاريخ قرية ولا يرصد تحوّلاتها الاجتماعية… وليس حنينًا، ولا رثاءً لماضٍ بعيد، ولا محاولة لتجميل قرية، إنني أكتب لأنني أدركت، متأخرًا، أن الأمكنة التي نشأنا فيها تكتبنا قبل أن نكتبها… المكان حين يُعاش ببراءة الطفولة يتحول إلى مخزون صور، وهذه الصور تعود لاحقًا لتؤثر في اللغة وفي التفكير وفي طريقة النظر للعالم».

 

واعتمد جزاع في بحثه منهجين: الأول مستوى السرد الذاكري، فنقل لنا تفاصيل مدهشة عن تأمل طفولي للطبيعة والبساتين والطيور وللفلاحين وللشخصيات الخالدة في الذاكرة، وكأنهم أبطال ملحميون، في مقدمتهم مزبان الجد وقلعته الشامخة وسمعته النافذة التي وصلت لتُسجَّل في الوثائق البريطانية التي كانت ترصد عن قرب الشخصيات النافذة

وهزّ كياني مشهد القوات البريطانية التي تتوقف عند قلعة مزبان، وتسلّمه طفلة أرمنية نجت من المذبحة، وأوصلها القدر إلى هذا البيت الكريم، وتنشأ داخل الأسرة لتكون واحدة منهم. ما أعظم المأساة، ولكن ما أعظم التبنّي الإنساني! وهذه، وربّ الكعبة، مشروع رواية مثيرة

وتتعدد المشاهد، ونجد أنفسنا نتفاعل معها لأننا لمسنا في دواخلنا ما يرتبط بها

والمستوى الثاني التأمل الفلسفي، حيث تُقرأ هذه الصور على ضوء جماليات المكان، والخيال، والذاكرة.

بهذا المعنى، وفي ضوء المنهجين، يصل المؤلف إلى نتائج يلخّصها: إن «زخيخة: الخيال وذاكرة المكان» ليس كتابًا عن قرية فحسب، بل هي محاولة للقول إن لكل إنسان زخيخته الخاصة، ذلك المكان الأول الذي علّمه كيف يسكن العالم، حتى وإن غادره مبكرًا

ولعل العبارة الأخيرة في ظهر الكتاب تلخّص بجملتين فكرة الكتاب والتوصيات التي اعتاد كل باحث أن يوصي بها من يحترف البحث:

«إنه كتاب صغير، لكنه يفتح أسئلة كبرى: كيف تصنعنا أمكنتنا الأولى؟ ولماذا لا ننجو من أثرها مهما ابتعدنا؟»

وأخيرًا، فإن السؤال الكبير الذي يحيرني شخصيًا هو: كيف قادني الحنين، وأنا أهرب من بغداد إلى أعالي الفرات، وكدت أن أختار سكنًا على ضفاف الفرات في قلب زخيخة… كيف يتفجر الحنين لمكان مررت به ولم أعش فيه؟ ما الذي أسكن زخيخة في روحي…؟

ولعل صديق العمر طه جزاع، حين أهداني نسخة من كتابه «زخيخة»، أشار فيها إلى أنني آخر المنتمين إلى آل مزبان

سنحتاج إلى خلطة من مناهج فلسفية وسيكولوجية لتفسير ما أصابني من تحوّل عشقي من دجلة إلى أعالي الفرات… بل كنت مهووسًا بالأهوار، وكأنني أهرول خلف خطى كلكامش وهو يصعد لأقصى الجنوب، وليس لأعالي الفرات باتجاه أرض دلمون، فكان الغمر العظيم الذي يغذي الأهوار يتدفق من أقصى الجنوب، من أعماق الخليج الذي يتأمله السياب ويطلق في «أنشودة المطر» نداءً شهيرًا يحمل عتابًا مريرًا للخليج، واصفًا إياه بأنه يعطي الخير (اللؤلؤ والمحار)، لكنه يمنح الموت والهلاك أيضًا (الردى) للمغتربين والفقراء:

أصيح بالخليج: «يا خليج..

يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى»

فيرجع الصدى كأنه النشيج:

«يا خليج: يا واهب المحار والردى»

ربما تغيّرت جاذبية الأرض نحو منابع المياه صعودًا لأعالي الفرات.

وأخيرًا نقول إن زخيخة ومضة أوقدها الجزاع في أرواحنا لنهيم بالبحث والتأمل لالتقاط مفاتيح تفتح لنا كل أبواب الزمان والمكان، لندرك ماهيتنا الحقيقية، فما زخيخة إلا واحة من الجنة هبط فيها آدم مخذولًا لإثمه، لكنه واصل المسير بعد أن تلقّى الرب كلماته وقبل توبته، وابتلاه بمن يغويه ويراهن على عصيانه… عودوا لموطئ قدمكم الأول الذي وصلتموه، مثلما تصل قذيفة المدفع إلى الأرض، بحسب وصف أودنيس، وأول رد فعل أننا نصرخ من هول ما سنرى، بعد أن كنا في جنة الأرحام بسكينة لا تعرف الألم أو البرد وشدة الحر… عودوا إلى موطنكم الأول وأصدقونا القول لنشارككم التجربة ونقاسمكم لذة الإدراك… فطوبى لمن رأى وتفكر… وقالها كلكامش: «إنه رأى كل شيء، فغنّي باسمه يا بلادي»… نعم، تتغنى لاسمكم البلاد حين تجاهرون بالحقيقة كما هي، بدون رتوش، وحينها سيرويها كيطان في برنامجه «حكايات عراقية».

شكرًا لزخيخة وعميدها مزبان، التي ألهمتنا التأمل، وشكرًا لفيلسوف صحافتنا جزاع، الذي يتعمد أن يفجر في دواخلنا صاعق التفكير ودفقًا من الأسئلة، من الصعب الإجابة عنها حتى من الذين عبروا سُلّم طبقات الصوفية بكل مراتبها… فالنهر يجري، ولا تلمسه أقدامنا مرتين.


مشاهدات 40
الكاتب هاشم حسن التميمي
أضيف 2026/09/07 - 11:32 PM
آخر تحديث 2026/09/08 - 1:02 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 107 الشهر 11981 الكلي 16544501
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير