الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تطواف‭ ‬الغريب‭ ‬‭(‬35‭)‬

بواسطة azzaman

تطواف‭ ‬الغريب‭ ‬‭(‬35‭)‬

حسن‭ ‬النواب

 

حجزتُ‭ ‬خمسة‭ ‬مقاعد‭ ‬في‭ ‬حافلة‭ ‬فخمة‭ ‬ستنطلق‭ ‬بنا‭ ‬من‭ ‬سنغافورة‭ ‬إلى‭ ‬ماليزيا،‭ ‬بثمن‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬عشرة‭ ‬دولارات‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مقاعدها‭ ‬كالتي‭ ‬اعتدناها،‭ ‬كانت‭ ‬واسعة‭ ‬كأسرّة‭ ‬تطفو،‭ ‬خمسة‭ ‬عشر‭ ‬مقعداً‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬جوف‭ ‬حافلة‭ ‬ضخمة‭ ‬كحوت‭ ‬مسالم‭. ‬كان‭ ‬السائق‭ ‬في‭ ‬الأربعين،‭ ‬يقود‭ ‬كعاصفة‭ ‬صغيرة،‭ ‬يد‭ ‬على‭ ‬المقود‭ ‬ويد‭ ‬على‭ ‬الهاتف،‭ ‬وصوت‭ ‬أغنية‭ ‬هندية‭ ‬يصخب‭ ‬كسوق‭ ‬مزدحم‭. ‬كنت‭ ‬في‭ ‬المقعد‭ ‬الأول‭ ‬قربه،‭ ‬طلبت‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬يخفض‭ ‬الصوت‭ ‬لأختبر‭ ‬مزاجه،‭ ‬فاستجاب‭ ‬على‭ ‬مضض‭ ‬كمن‭ ‬يتنازل‭ ‬عن‭ ‬غنيمة‭. ‬بقيت‭ ‬متيقظاً‭ ‬طوال‭ ‬الطريق،‭ ‬لم‭ ‬أطبق‭ ‬جفني‭ ‬لحظة،‭ ‬بينما‭ ‬كانت‭ ‬زوجتي‭ ‬بجواري‭ ‬تشخر‭ ‬كهديل‭ ‬حمامة‭ ‬أتعبها‭ ‬السفر‭. ‬وكان‭ ‬الأبناء‭ ‬غارقين‭ ‬في‭ ‬هواتفهم،‭ ‬والحافلة‭ ‬تمدهم‭ ‬بخيط‭ ‬نت‭ ‬يربطهم‭ ‬بعالم‭ ‬آخر‭. ‬بدأت‭ ‬السماء‭ ‬تمطر‭ ‬بغزارة،‭ ‬كنبالٍ‭ ‬من‭ ‬فضة‭ ‬مسنونة‭ ‬تنهال‭ ‬على‭ ‬الزجاج‭. ‬وكان‭ ‬الشارع‭ ‬معبداً‭ ‬بأمانة،‭ ‬وعلى‭ ‬الجانبين‭ ‬اصطفت‭ ‬غابات‭ ‬نخيل‭ ‬جوز‭ ‬الهند‭ ‬كجيش‭ ‬خاشع،‭ ‬يزداد‭ ‬سحرها‭ ‬تحت‭ ‬المطر‭. ‬كنت‭ ‬أتأمل‭ ‬البساتين‭ ‬وقد‭ ‬امتلأت‭ ‬نفسي‭ ‬بحبور‭ ‬لذيذ،‭ ‬حتى‭ ‬انزلقت‭ ‬الحافلة‭ ‬عن‭ ‬الطريق‭ ‬كحصان‭ ‬زلّتْ‭ ‬به‭ ‬الأرض‭ ‬الموحلة‭. ‬أفاقت‭ ‬زوجتي‭ ‬هلعة،‭ ‬وحمداً‭ ‬لله‭ ‬تمكن‭ ‬السائق‭ ‬من‭ ‬لجمها‭ ‬بأعجوبة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يثرثر‭ ‬في‭ ‬هاتفه‭ ‬كأن‭ ‬شيئاً‭ ‬لم‭ ‬يكن‭. ‬بدا‭ ‬كمن‭ ‬ألف‭ ‬المطر‭ ‬والعثرات،‭ ‬وكانت‭ ‬خشيتي‭ ‬أمامه‭ ‬مبالغاً‭ ‬فيها‭. ‬بعد‭ ‬ساعتين‭ ‬توقفنا‭ ‬للتزود‭ ‬بالوقود،‭ ‬ليروّح‭ ‬الركاب‭ ‬عن‭ ‬أنفسهم‭ ‬بدخان‭ ‬سيجارة‭ ‬أو‭ ‬لقمة‭ ‬خفيفة‭. ‬رفضت‭ ‬العائلة‭ ‬النزول،‭ ‬فهبطت‭ ‬وحدي‭ ‬أدخن‭ ‬سيجارتي‭ ‬واشتريت‭ ‬عصائر‭ ‬لهم،‭ ‬ثم‭ ‬عدنا‭ ‬للطريق‭ ‬والمطر‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يشاكس‭ ‬نوافذ‭ ‬الحافلة‭ ‬بشراسة‭. ‬كان‭ ‬الطريق‭ ‬فتنة‭ ‬للعين،‭ ‬والسائق‭ ‬يحدث‭ ‬امرأة‭ ‬عبر‭ ‬مكبر‭ ‬الصوت‭ ‬كأنه‭ ‬في‭ ‬خلوةٍ‭ ‬معها‭. ‬بعد‭ ‬أربع‭ ‬ساعات‭ ‬بلغنا‭ ‬مكتب‭ ‬فحص‭ ‬الجوازات،‭ ‬وهناك‭ ‬واجهتني‭ ‬معضلة‭ ‬لم‭ ‬أحسبها‭. ‬كان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬إنزال‭ ‬الحقائب‭ ‬الكبيرة‭ ‬للتفتيش،‭ ‬حمل‭ ‬ثقيل‭ ‬لا‭ ‬أقوى‭ ‬عليه‭ ‬أنا‭ ‬ولا‭ ‬زوجتي‭ ‬ولا‭ ‬أطفالي‭. ‬سألت‭ ‬السائق‭ ‬عمن‭ ‬يحملها،‭ ‬فقال‭: ‬أعطني‭ ‬عشرة‭ ‬دولارات‭ ‬وأنوب‭ ‬عنكم‭.‬

لم‭ ‬أصدق،‭ ‬فتحت‭ ‬المحفظة‭ ‬بسرعة‭ ‬ووضعتها‭ ‬في‭ ‬يده‭ ‬وتنفست‭ ‬بعمق‭ ‬كمن‭ ‬نجا‭ ‬من‭ ‬غرق‭. ‬أمام‭ ‬موظف‭ ‬الجوازات‭ ‬السنغافوري‭ ‬لم‭ ‬نتأخر،‭ ‬صعدنا‭ ‬الحافلة‭ ‬من‭ ‬جديد‭.‬

ولما‭ ‬وصلنا‭ ‬إلى‭ ‬مكتب‭ ‬ماليزيا‭ ‬عادت‭ ‬معضلة‭ ‬الحقائب،‭ ‬نظر‭ ‬إليّ‭ ‬السائق‭ ‬فابتسمت‭ ‬وأخرجت‭ ‬عشرة‭ ‬أخرى‭. ‬انحنى‭ ‬يشكرني،‭ ‬ثم‭ ‬هبط‭ ‬وهمس‭ ‬لبعض‭ ‬الصبية‭ ‬فحملوا‭ ‬حقائبنا‭ ‬إلى‭ ‬التفتيش‭. ‬وقفنا‭ ‬أمام‭ ‬سيدة‭ ‬ماليزية‭ ‬بزي‭ ‬عسكري‭ ‬تفحص‭ ‬جوازاتنا‭ ‬الأسترالية،‭ ‬ثم‭ ‬أعادتها‭ ‬إلينا‭ ‬بابتسامة‭ ‬مقتضبة‭. ‬حلَّ‭ ‬الظلام‭ ‬ونحن‭ ‬على‭ ‬مشارف‭ ‬كوالالمبور‭ ‬والمطر‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يهطل‭ ‬كأن‭ ‬السماء‭ ‬مثقوبة‭. ‬وفجأة‭ ‬أوقفنا‭ ‬السائق‭ ‬الملعون‭ ‬في‭ ‬مرآب‭ ‬جانبي‭ ‬وطلب‭ ‬منا‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬حافلة‭ ‬أخرى‭ ‬لنفس‭ ‬الشركة‭ ‬بلا‭ ‬تفسير‭.‬

قال‭ ‬لي‭: ‬أعطني‭ ‬عشرة‭ ‬دولارات‭ ‬وأنقل‭ ‬حقائبك،‭ ‬فأعطيته‭ ‬حانقاً‭.‬

كنت‭ ‬أعرف‭ ‬أنه‭ ‬يستغلني‭ ‬بوقاحة،‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬بأس‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬يرفع‭ ‬عني‭ ‬حملاً‭ ‬لا‭ ‬تقوى‭ ‬عليه‭ ‬سنوات‭ ‬شتاتي‭. ‬خلال‭ ‬دقائق‭ ‬كنا‭ ‬في‭ ‬حافلة‭ ‬ثانية‭ ‬تشبه‭ ‬الأولى‭ ‬مع‭ ‬سائق‭ ‬آخر،‭ ‬ولم‭ ‬يبق‭ ‬إلا‭ ‬القليل‭ ‬لقلب‭ ‬العاصمة‭. ‬كنت‭ ‬أشعر‭ ‬بالجزع‭ ‬يتسرب‭ ‬إلى‭ ‬العائلة،‭ ‬فقد‭ ‬اقترحت‭ ‬ابنتي‭ ‬حسنى‭ ‬السفر‭ ‬بالطائرة‭ ‬بخمسين‭ ‬دولاراً‭ ‬وساعة‭ ‬طيران،‭ ‬فرفضت‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بخلاً،‭ ‬بل‭ ‬رغبة‭ ‬في‭ ‬اكتشاف‭ ‬الطريق‭ ‬بين‭ ‬سنغافورة‭ ‬وماليزيا،‭ ‬وهو‭ ‬طريق‭ ‬مدهش‭ ‬حقاً‭ ‬لولا‭ ‬خبث‭ ‬السائق‭. ‬فما‭ ‬تزال‭ ‬بساتين‭ ‬جوز‭ ‬الهند‭ ‬في‭ ‬رأسي‭ ‬كروضة‭ ‬فردوس‭ ‬هبطت‭ ‬من‭ ‬السماء‭. ‬صعدت‭ ‬الحافلة‭ ‬جسراً‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ ‬تايمز‭ ‬سكوير‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬كوالالمبور،‭ ‬ثم‭ ‬حدث‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يتوقعه‭ ‬أحد‭. ‬توقف‭ ‬المحرك‭ ‬فجأة‭ ‬كقلب‭ ‬أصابته‭ ‬سكتة،‭ ‬يا‭ ‬لهذا‭ ‬النحس‭ ‬الذي‭ ‬يلاحقنا‭. ‬حاول‭ ‬السائق‭ ‬تشغيله‭ ‬دون‭ ‬جدوى،‭ ‬ثم‭ ‬هاتف‭ ‬الشركة‭ ‬وأخبرنا‭ ‬أن‭ ‬حافلة‭ ‬ثالثة‭ ‬ستصل‭ ‬بعد‭ ‬دقائق‭. ‬مضت‭ ‬ساعة‭ ‬ولا‭ ‬أثر‭ ‬لها،‭ ‬وتصاعدت‭ ‬صيحات‭ ‬التذمر،‭ ‬وهدد‭ ‬أحدهم‭ ‬بالاتصال‭ ‬بالشرطة‭. ‬وبينما‭ ‬كانا‭ ‬يتشاجران‭ ‬حضرت‭ ‬الحافلة،‭ ‬فتهللت‭ ‬وجوه‭ ‬العائلة،‭ ‬لكن‭ ‬السؤال‭ ‬عاد‭: ‬من‭ ‬يحمل‭ ‬الحقائب‭ ‬هذه‭ ‬المرة؟‭ ‬دنوت‭ ‬من‭ ‬السائق‭ ‬الجديد،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يعرف‭ ‬الإنجليزية،‭ ‬فأخرجت‭ ‬عشرة‭ ‬دولارات‭ ‬ولوحت‭ ‬بها‭ ‬أمام‭ ‬عينيه‭. ‬دهش‭ ‬ولم‭ ‬يفهم،‭ ‬فأسعفني‭ ‬راكب‭ ‬ماليزي‭ ‬يجيد‭ ‬الإنجليزية‭ ‬ونقل‭ ‬له‭ ‬رغبتي،‭ ‬فضحك‭ ‬بانشراح‭ ‬ومد‭ ‬يده‭.‬

أشرت‭ ‬إلى‭ ‬حقائبنا‭ ‬فحملها‭ ‬واحدة‭ ‬تلو‭ ‬الأخرى‭ ‬إلى‭ ‬الحافلة‭ ‬الثالثة‭ ‬التي‭ ‬انطلقت‭ ‬بنا‭ ‬نحو‭ ‬قلب‭ ‬العاصمة‭. ‬هبطنا‭ ‬أمام‭ ‬بناية‭ ‬ضخمة‭ ‬وتجمع‭ ‬حولنا‭ ‬سائقو‭ ‬الأجرة،‭ ‬كنت‭ ‬قد‭ ‬حجزت‭ ‬في‭ ‬فندق‭ ‬يدعى‭ (‬كراون‭) ‬وكان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬استئجار‭ ‬سيارة‭ ‬كبيرة‭ ‬تتسع‭ ‬لنا‭ ‬وللحقائب‭ ‬الأربع،‭ ‬وبعد‭ ‬تجاذب‭ ‬رسوت‭ ‬على‭ ‬أحدهم‭. ‬تولى‭ ‬حمل‭ ‬الحقائب‭ ‬أيضاً‭ ‬مقابل‭ ‬عشرين‭ ‬رينغيت،‭ ‬وهي‭ ‬عملة‭ ‬متدنية‭ ‬أمام‭ ‬الدولار،‭ ‬لذلك‭ ‬تبدو‭ ‬بضائع‭ ‬ماليزيا‭ ‬وفنادقها‭ ‬ومطاعمها‭ ‬رخيصة‭ ‬قياساً‭ ‬بسنغافورة‭ ‬الغالية‭. ‬أخيراً‭ ‬وصلنا‭ ‬إلى‭ ‬الفندق‭ ‬الأنيق‭ ‬بطرازه‭ ‬الحديث،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬برجي‭ ‬التوأم‭ ‬الشهيرين‭. ‬كان‭ ‬في‭ ‬حقيقته‭ ‬شققاً‭ ‬مفروشة،‭ ‬وعرفت‭ ‬من‭ ‬عامل‭ ‬هناك‭ ‬أن‭ ‬مالكه‭ ‬من‭ ‬دولة‭ ‬خليجية،‭ ‬فالأثرياء‭ ‬الخليجيون‭ ‬يملكون‭ ‬نصف‭ ‬ماليزيا‭. ‬تركنا‭ ‬الحقائب‭ ‬في‭ ‬الشقة‭ ‬ونزلنا‭ ‬نبحث‭ ‬عن‭ ‬مطعم‭ ‬صمد‭ ‬العراقي،‭ ‬فكانت‭ ‬المفاجأة‭ ‬سارة‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يبعد‭ ‬سوى‭ ‬مئات‭ ‬الأمتار‭ ‬مشياً،‭ ‬وحين‭ ‬دخلنا‭ ‬استقبلنا‭ ‬نادل‭ ‬بزي‭ ‬بغدادي‭ ‬ولهجة‭ ‬سورية‭. ‬جلسنا‭ ‬حول‭ ‬المائدة‭ ‬وطلبت‭ ‬كباب‭ ‬شوي‭ ‬بخبز‭ ‬عراقي،‭ ‬ولا‭ ‬أذكر‭ ‬ماذا‭ ‬طلبت‭ ‬العائلة،‭ ‬فقد‭ ‬كنت‭ ‬جائعاً‭ ‬جداً‭. ‬وحين‭ ‬تذوقت‭ ‬أول‭ ‬لقمة‭ ‬من‭ ‬الكباب‭ ‬بالخبز‭ ‬العراقي،‭ ‬شعرت‭ ‬بضوء‭ ‬باهر‭ ‬يسطع‭ ‬في‭ ‬مجاهل‭ ‬روحي،‭ ‬كأن‭ ‬الرحلة‭ ‬كلها‭ ‬كانت‭ ‬صوماً‭ ‬وهذه‭ ‬اللقمة‭ ‬العراقية‭ ‬كانت‭ ‬إفطاري‭.‬

يتبع‭…‬

 


مشاهدات 57
الكاتب حسن‭ ‬النواب
أضيف 2026/09/07 - 9:43 PM
آخر تحديث 2026/09/08 - 1:34 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 140 الشهر 12014 الكلي 16544534
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير