حسن النواب
حجزتُ خمسة مقاعد في حافلة فخمة ستنطلق بنا من سنغافورة إلى ماليزيا، بثمن لا يتجاوز عشرة دولارات. لم تكن مقاعدها كالتي اعتدناها، كانت واسعة كأسرّة تطفو، خمسة عشر مقعداً فقط في جوف حافلة ضخمة كحوت مسالم. كان السائق في الأربعين، يقود كعاصفة صغيرة، يد على المقود ويد على الهاتف، وصوت أغنية هندية يصخب كسوق مزدحم. كنت في المقعد الأول قربه، طلبت منه أن يخفض الصوت لأختبر مزاجه، فاستجاب على مضض كمن يتنازل عن غنيمة. بقيت متيقظاً طوال الطريق، لم أطبق جفني لحظة، بينما كانت زوجتي بجواري تشخر كهديل حمامة أتعبها السفر. وكان الأبناء غارقين في هواتفهم، والحافلة تمدهم بخيط نت يربطهم بعالم آخر. بدأت السماء تمطر بغزارة، كنبالٍ من فضة مسنونة تنهال على الزجاج. وكان الشارع معبداً بأمانة، وعلى الجانبين اصطفت غابات نخيل جوز الهند كجيش خاشع، يزداد سحرها تحت المطر. كنت أتأمل البساتين وقد امتلأت نفسي بحبور لذيذ، حتى انزلقت الحافلة عن الطريق كحصان زلّتْ به الأرض الموحلة. أفاقت زوجتي هلعة، وحمداً لله تمكن السائق من لجمها بأعجوبة، وهو ما زال يثرثر في هاتفه كأن شيئاً لم يكن. بدا كمن ألف المطر والعثرات، وكانت خشيتي أمامه مبالغاً فيها. بعد ساعتين توقفنا للتزود بالوقود، ليروّح الركاب عن أنفسهم بدخان سيجارة أو لقمة خفيفة. رفضت العائلة النزول، فهبطت وحدي أدخن سيجارتي واشتريت عصائر لهم، ثم عدنا للطريق والمطر ما زال يشاكس نوافذ الحافلة بشراسة. كان الطريق فتنة للعين، والسائق يحدث امرأة عبر مكبر الصوت كأنه في خلوةٍ معها. بعد أربع ساعات بلغنا مكتب فحص الجوازات، وهناك واجهتني معضلة لم أحسبها. كان لا بد من إنزال الحقائب الكبيرة للتفتيش، حمل ثقيل لا أقوى عليه أنا ولا زوجتي ولا أطفالي. سألت السائق عمن يحملها، فقال: أعطني عشرة دولارات وأنوب عنكم.
لم أصدق، فتحت المحفظة بسرعة ووضعتها في يده وتنفست بعمق كمن نجا من غرق. أمام موظف الجوازات السنغافوري لم نتأخر، صعدنا الحافلة من جديد.
ولما وصلنا إلى مكتب ماليزيا عادت معضلة الحقائب، نظر إليّ السائق فابتسمت وأخرجت عشرة أخرى. انحنى يشكرني، ثم هبط وهمس لبعض الصبية فحملوا حقائبنا إلى التفتيش. وقفنا أمام سيدة ماليزية بزي عسكري تفحص جوازاتنا الأسترالية، ثم أعادتها إلينا بابتسامة مقتضبة. حلَّ الظلام ونحن على مشارف كوالالمبور والمطر ما زال يهطل كأن السماء مثقوبة. وفجأة أوقفنا السائق الملعون في مرآب جانبي وطلب منا الانتقال إلى حافلة أخرى لنفس الشركة بلا تفسير.
قال لي: أعطني عشرة دولارات وأنقل حقائبك، فأعطيته حانقاً.
كنت أعرف أنه يستغلني بوقاحة، لكن لا بأس ما دام يرفع عني حملاً لا تقوى عليه سنوات شتاتي. خلال دقائق كنا في حافلة ثانية تشبه الأولى مع سائق آخر، ولم يبق إلا القليل لقلب العاصمة. كنت أشعر بالجزع يتسرب إلى العائلة، فقد اقترحت ابنتي حسنى السفر بالطائرة بخمسين دولاراً وساعة طيران، فرفضت. لم يكن بخلاً، بل رغبة في اكتشاف الطريق بين سنغافورة وماليزيا، وهو طريق مدهش حقاً لولا خبث السائق. فما تزال بساتين جوز الهند في رأسي كروضة فردوس هبطت من السماء. صعدت الحافلة جسراً يؤدي إلى منطقة تايمز سكوير في قلب كوالالمبور، ثم حدث ما لم يتوقعه أحد. توقف المحرك فجأة كقلب أصابته سكتة، يا لهذا النحس الذي يلاحقنا. حاول السائق تشغيله دون جدوى، ثم هاتف الشركة وأخبرنا أن حافلة ثالثة ستصل بعد دقائق. مضت ساعة ولا أثر لها، وتصاعدت صيحات التذمر، وهدد أحدهم بالاتصال بالشرطة. وبينما كانا يتشاجران حضرت الحافلة، فتهللت وجوه العائلة، لكن السؤال عاد: من يحمل الحقائب هذه المرة؟ دنوت من السائق الجديد، لم يكن يعرف الإنجليزية، فأخرجت عشرة دولارات ولوحت بها أمام عينيه. دهش ولم يفهم، فأسعفني راكب ماليزي يجيد الإنجليزية ونقل له رغبتي، فضحك بانشراح ومد يده.
أشرت إلى حقائبنا فحملها واحدة تلو الأخرى إلى الحافلة الثالثة التي انطلقت بنا نحو قلب العاصمة. هبطنا أمام بناية ضخمة وتجمع حولنا سائقو الأجرة، كنت قد حجزت في فندق يدعى (كراون) وكان لا بد من استئجار سيارة كبيرة تتسع لنا وللحقائب الأربع، وبعد تجاذب رسوت على أحدهم. تولى حمل الحقائب أيضاً مقابل عشرين رينغيت، وهي عملة متدنية أمام الدولار، لذلك تبدو بضائع ماليزيا وفنادقها ومطاعمها رخيصة قياساً بسنغافورة الغالية. أخيراً وصلنا إلى الفندق الأنيق بطرازه الحديث، لم يكن بعيداً عن برجي التوأم الشهيرين. كان في حقيقته شققاً مفروشة، وعرفت من عامل هناك أن مالكه من دولة خليجية، فالأثرياء الخليجيون يملكون نصف ماليزيا. تركنا الحقائب في الشقة ونزلنا نبحث عن مطعم صمد العراقي، فكانت المفاجأة سارة. لم يكن يبعد سوى مئات الأمتار مشياً، وحين دخلنا استقبلنا نادل بزي بغدادي ولهجة سورية. جلسنا حول المائدة وطلبت كباب شوي بخبز عراقي، ولا أذكر ماذا طلبت العائلة، فقد كنت جائعاً جداً. وحين تذوقت أول لقمة من الكباب بالخبز العراقي، شعرت بضوء باهر يسطع في مجاهل روحي، كأن الرحلة كلها كانت صوماً وهذه اللقمة العراقية كانت إفطاري.
يتبع…