موسى كريدي .. صخب السرد الذي لم يهدأ
تجربة قاص عراقي صوته مختلف ومجلجل
حمدي العطار
تستعيد الدراسات النقدية بين الحين والآخر أسماء إبداعية تركت أثراً واضحاً في مسيرة الأدب العراقي، لكنها لم تنل دائماً ما تستحقه من قراءة وتأمل. ومن بين هذه الأسماء يبرز القاص والروائي موسى كريدي (1940–1996)، الذي امتلك تجربة سردية خاصة، اتسمت بالتجريب والقلق والمراجعة المستمرة وظل صوته القصصي مختلفاً عن السائد حاملاً رؤيته الخاصة للإنسان والحياة.
وفي سياق استعادة هذه التجربة وبالتزامن مع الذكرى الثلاثين لرحيل الأديب القاص موسى كريدي، صدر حديثاً عن دار الشؤون الثقافية العامة/ وزارة الثقافة والسياحة والآثار وضمن سلسلة «نقد»، كتاب بعنوان «صخب السرد: قراءات نقدية في سرديات موسى كريدي»، إعداد وتقديم ومشاركة عبد الله الميالي، وهو كتاب يفتح مساحة واسعة أمام مجموعة من القراءات النقدية التي تناولت عالم كريدي السردي وحاولت الاقتراب من تجربته من زوايا متعددة ومختلفة.
ولا يبدو عنوان الكتاب «صخب السرد» عنواناً عابراً فهو يحيل إلى طبيعة التجربة نفسها وإلى ذلك التوتر الذي يرافق سرديات موسى كريدي، سواء على مستوى الشخصيات أو الرؤية أو طرائق بناء الحكاية. فالقارئ أمام سرديات مربكة وإشكالية وجدلية لا تقدم نفسها بسهولة وإنما تدفع المتلقي إلى إعادة النظر في الشخصيات والأحداث والدلالات التي تنفتح عليها النصوص.
لقد امتلك موسى كريدي رؤيته الخاصة للحياة والإنسان وهي رؤية مرت بمراحل متعددة خلال مسيرته الإبداعية. فقد تأثر في بدايات مشواره الأدبي بالوجودية، ثم ساير الرمزية في مرحلة لاحقة وصولاً إلى الواقعية، وهو انتقال يكشف عن كاتب لم يكن مستقراً على شكل سردي واحد بل ظل يبحث باستمرار عن صيغة تعبيرية تستجيب لتحولاته الفكرية والفنية.
ومن هنا يمكن النظر إلى تجربة كريدي بوصفها تجربة قائمة على التجريب والمراجعة والتصحيح فهو لا يستسلم للون سردي واحد ولا يكرر نفسه بل يواصل اختبار إمكانات القصة وكأن كل نص جديد يمثل محاولة لاكتشاف منطقة أخرى من عالمه الإبداعي.
عالم سردي
وفي القصة العراقية كان صوت موسى كريدي صوتاً مجلجلاً، متميزاً، ونسيجاً خاصاً لا يشبه سواه. فقد صنع لنفسه عالماً سردياً خاصاً يحلق فيه بأفكاره ورؤاه ويعيد من خلاله مساءلة الواقع والإنسان والعلاقات الاجتماعية والنفسية. ولذلك جاءت شخصياته في كثير من الأحيان محملة بقلقها وأزماتها وأسئلتها وهي شخصيات قلقة، مأزومة، مغتربة ومتمردة، تبحث عن ذاتها في واقع لا يمنحها دائماً فرصة الاستقرار أو الطمأنينة.
ومن أهمية كتاب «صخب السرد» أنه لا يكتفي بقراءة تجربة موسى كريدي من منظور نقدي واحد وإنما يجمع طيفاً واسعاً من الآراء والدراسات التي اختلفت في مقارباتها للنصوص، وهو اختلاف صحي ومثمر لأن النص الأدبي الكبير لا يغلق أبوابه أمام قراءة واحدة بل يسمح بتعدد التأويلات وتنوع الرؤى.
ويضم الكتاب أكثر من ستين دراسة ومقالة نقدية تناولت جوانب مختلفة من سرديات موسى كريدي وشخصياته وتقنياته ورؤاه. وقد جاء الكتاب في ثلاثة فصول وملحق، بما يوفر للقارئ مادة نقدية واسعة تساعد على الإحاطة بمسيرة الكاتب وتجربته السردية.
يتناول الفصل الأول الدراسات والمقالات التي تناولت روايته الوحيدة «نهايات صيف»، بينما خصص الفصل الثاني للدراسات والمقالات التي تناولت مجموعاته القصصية الخمس بصورة عامة. أما الفصل الثالث فقد خصص للدراسات والمقالات التي تناولت قصة واحدة أو أكثر من قصصه.
أما الملحق فيضم مقطوعات نقدية قصيرة عن سرديات موسى كريدي، وردت ضمن مقالات أو مؤلفات أو دراسات مختلفة، الأمر الذي يمنح الكتاب قيمة توثيقية إضافية، لأنه لا يقدم قراءة نقدية فحسب بل يسهم في جمع شتات ما كتب عن تجربة كريدي وإعادة وضعه في سياق واحد.
وتبرز أهمية هذا الجهد في كونه يتيح للباحث والقارئ فرصة العودة إلى تجربة موسى كريدي من خلال أكثر من منظور نقدي، ويكشف عن حجم الاهتمام الذي حظيت به نصوصه لدى عدد من الدارسين والباحثين. كما أن تعدد القراءات وتباينها يؤكد أن سرديات كريدي ما زالت قادرة على إنتاج الأسئلة وأنها لم تفقد قدرتها على إثارة الحوار النقدي بعد عقود من رحيله.
إن إعادة قراءة موسى كريدي اليوم لا تعني مجرد استذكار اسم أدبي غاب عن المشهد وإنما تعني استعادة تجربة سردية عراقية مهمة وتجديد السؤال حول موقعها في تاريخ القصة والرواية العراقية. فبعض المبدعين لا تنتهي تجربتهم برحيلهم وإنما تبدأ مرحلة أخرى من حضورهم من خلال القراءات التي تعيد اكتشاف نصوصهم وتضعها في ضوء جديد.
ويأتي كتاب «صخَب السرد» ليؤدي هذه المهمة، فهو كتاب نقدي وتوثيقي في آن واحد يجمع قراءات متعددة لتجربة كاتب لم يكن يطمئن إلى الثبات بل ظل مشغولاً بالتجريب والتحول والبحث عن صوته الخاص.
تجربة ابداعية
ويقع الكتاب في 608 صفحات من القطع الكبير، بما يعكس حجم المادة النقدية التي اشتغل عليها معده ومقدمه ومشاركاته عبد الله الميالي، في محاولة لجمع صورة واسعة عن تجربة موسى كريدي السردية وإعادة تقديمها إلى القارئ والباحث.
أما تصميم الغلاف فقد أنجزه الفنان نورس نبيل يعقوب ليكتمل بذلك الجانب الفني لكتاب يطمح إلى أن يكون إضافة مهمة إلى المكتبة النقدية العراقية.
وفي النهاية، فإن قيمة «صخب السرد» لا تكمن في عدد صفحاته أو الدراسات التي احتواها فحسب بل في كونه يفتح نافذة جديدة على تجربة إبداعية تستحق أن تقرأ بعيداً عن الاستعجال، وأن تدرس في سياق التحولات التي شهدها السرد العراقي. وربما يكون هذا الكتاب دعوة إلى إعادة اكتشاف موسى كريدي، ليس بوصفه اسماً من الماضي وإنما بوصفه كاتباً ما زالت نصوصه قادرة على إثارة القلق والأسئلة، وما زال «صخب» سردياته مسموعاً في المشهد الأدبي العراقي.