الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الكرسي والجنس..  تشابه في المعنى واختلاف في السياق

بواسطة azzaman

الكرسي والجنس..  تشابه في المعنى واختلاف في السياق

جبار فريح شريده

 

تتردد في الخطاب السياسي والاجتماعي عبارتان تبدوان متباعدتين في الوهلة الأولى، لكنهما تحملان منطقًا متقاربًا: «الكرسي لا دين له» و»الجنس لا دين له». وعلى الرغم من اختلاف المجال الذي تنتمي إليه كل عبارة، فإن القاسم المشترك بينهما هو الإشارة إلى أن بعض الدوافع الإنسانية قد تتجاوز الانتماءات الدينية أو الأيديولوجية عندما تصبح الغاية هي المحرك الأساسي للسلوك.

فعندما يقال إن «الكرسي لا دين له»، فإن المقصود ليس نفي الدين عن السلطة، وإنما الإشارة إلى أن السعي إلى الحكم قد يدفع بعض الأفراد أو الجماعات إلى تغيير تحالفاتهم، أو تعديل خطابهم، أو تجاوز مبادئ كانوا يعلنون التمسك بها، من أجل الوصول إلى السلطة أو الحفاظ عليها. فالكرسي هنا رمز للنفوذ والقوة، ويصبح معيار التصرف هو المصلحة السياسية أكثر من الانتماء الفكري أو الديني.

وبالمثل، فإن عبارة «الجنس لا دين له» تُستخدم للدلالة على أن الغريزة الجنسية غريزة إنسانية مشتركة بين البشر جميعًا، لا تميز بين دين وآخر أو ثقافة وأخرى. فالرغبة الجنسية من حيث وجودها البيولوجي ليست مرتبطة بعقيدة معينة، وإن كانت الأديان والثقافات تختلف في كيفية تنظيمها وضبطها وتحديد ما هو مشروع أو غير مشروع في ممارستها.يكمن التقارب بين العبارتين في أن كلتيهما تتحدثان عن قوة دافع معين؛ فالسلطة دافع قد يؤثر في السلوك السياسي، والرغبة الجنسية دافع قد يؤثر في السلوك الشخصي. وفي كلتا الحالتين، تُستعمل عبارة «لا دين له» على سبيل المجاز، للدلالة على أن الدافع في حد ذاته لا يحمل هوية دينية، بل هو موجود لدى البشر على اختلاف معتقداتهم.

غير أن هناك فرقًا مهمًا ينبغي الانتباه إليه. فالسلطة ليست غريزة فطرية بالمعنى البيولوجي، وإنما هي طموح اجتماعي وسياسي يتشكل بحسب البيئة والثقافة والشخصية. أما الرغبة الجنسية فهي غريزة طبيعية، إلا أن التعبير عنها يخضع لمنظومة من القيم والأحكام القانونية والأخلاقية والدينية. لذلك، فإن القول إن «الجنس لا دين له» لا يعني أن الأديان لا تتناول العلاقات الجنسية، بل يعني أن أصل الرغبة الإنسانية سابق على اختلاف الأديان، بينما تختلف الشرائع في توجيهها وتنظيمها.

 فإن العبارتين ليستا أحكامًا علمية أو دينية، بل تعبيرات بلاغية تُستخدم لتسليط الضوء على طبيعة بعض الدوافع الإنسانية. فالسلطة قد تغري أصحابها بتقديم المصلحة على المبدأ، والرغبة الجنسية قد تدفع الإنسان إلى تحديات أخلاقية تحتاج إلى ضبط وتوجيه. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية ليست في وجود الدافع نفسه، وإنما في قدرة الإنسان على إدارته وفق مبادئه وقيمه، بحيث تبقى الأخلاق حاكمة للطموح السياسي، كما تبقى الضوابط الأخلاقية والدينية حاكمة للسلوك الشخصي.

 

 

 

 


مشاهدات 61
الكاتب جبار فريح شريده
أضيف 2026/08/08 - 2:35 AM
آخر تحديث 2026/08/08 - 7:11 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 340 الشهر 7932 الكلي 16097636
الوقت الآن
السبت 2026/8/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير