الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
رؤية في لوحة محمود فهمي.. عش اللّقلق رمز عميق لحلم العودة إلى البيت الأول

بواسطة azzaman

رؤية في لوحة محمود فهمي.. عش اللّقلق رمز عميق لحلم العودة إلى البيت الأول

أحمد النقيب

 

في هذه اللوحة للفنان  المبدع المغترب محمود فهمي عبود، لا يبدو طائر اللقلق مجرد تفصيل جميل على سطح البيت، بل يبدو كأنه الذاكرة نفسها وقد اتخذت جناحين. فاللقلق معروف بأنه يعود كل عام إلى عشه الأول، مهما ابتعدت به المسافات، ومهما تغيرت المدن والسماء والطرق. يعود ليُرمم ما تهدّم، ويضع فوق الغصن القديم غصناً جديداً، كأنه يقول إن البيت لا يسقط تماماً ما دام هناك قلب يتذكره.

وهنا، في العراق العظيم. ذلك البيت الذي كان يوماً ممتلئاً بالأصوات، والضحكات، ورائحة الخبز، ونداءات الأحبة. لكن الزمن قاسٍ أحياناً؛ فالبيت لم يعد قائماً، والأحباب انتثروا في شتى أنحاء الأرض، وصار الوطن يسكن في القلب أكثر مما يسكن في الحجر.

وكأن اللوحة تهمس بما قاله الشاعر:

يا طارِقَ البابِ رِفقاً حينَ تَطرُقُهُ

فإنَّهُ لم يَعُدْ في الدَّارِ أصحابُ

تَفَرَّقوا في دُروبِ الأرضِ وانتَثَروا

كأنَّهُ لم يَكُنْ أُنسٌ وأحبابُ

إنها ليست صورتي نائم تحت لحاف أزرق فقط، بل صورة حلمٍ ينام على سطح بيتٍ من الذاكرة. حلم العودة، حلم أن نفتح الباب يوماً فنجد الوجوه كما كانت، والمكان كما تركناه، والحنين وقد صار حقيقة. لكن بعض الأحلام تتحقق، وبعضها نحمله معنا في بلاد المهجر، نرعاه بصمت كما يرعى اللقلق عشه، لعل الله يكتب له يوماً أن يعود.

وفي حضور اللقلق فوق هذا البيت معنى مؤلم وجميل في آن واحد. فهو يعود إلى العش، أما الإنسان فقد يعود فلا يجد البيت، وقد يطرق الباب فلا يسمع جواباً:

إرحم يَدَيكَ فما في الدَّارِ مِنْ أحدٍ

لا تَرجُ رَدّاً، فأهلُ الوُدِّ قد

راحوا

ولترحمِ الدارَ لا توقظ مواجعها

للدورِ روحٌ.. كما للناسِ أرواحُ

ومع ذلك، يبقى العش قائماً في القلب. يبقى العراق بيتاً أول، حتى لو تهدمت الجدران. ويبقى الحنين جناحاً لا يتعب، يطير كل عام نحو المكان نفسه، يسأل عن بابٍ غاب، وعن أهلٍ تفرقوا، وعن زمنٍ كان يوماً دافئاً كحضن الأم.

أستاذ جامعي


مشاهدات 68
الكاتب أحمد النقيب
أضيف 2026/08/08 - 2:02 AM
آخر تحديث 2026/08/08 - 6:47 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 306 الشهر 7898 الكلي 16097602
الوقت الآن
السبت 2026/8/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير