الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
هندسة المحو وتفكيك الكينونة في ثلاث زوايا للنسيان للشاعر سوران محمد
محمود مصطفی


هندسة المحو وتفكيك الكينونة في ثلاث زوايا للنسيان للشاعر سوران محمد

محمود مصطفی

 

مقدمة:

 تمثل قصيدة النثر الحداثية المعاصرة مختبراً مفتوحاً لإعادة صياغة علاقة الذات الإنسانية بالوجود، وتحديداً في سياقات الاغتراب والرحيل القسري. وفي هذا السياق، يبرز نص الشاعر سوران محمد "ثلاث زوايا للنسيان" المنشور في صحيفة "الزمان" (10يوليو 2026)، كنموذج بنيوي يعيد تشكيل مفهوم "النسيان" من عارض نفسي تلقائي إلى فعل هندسي مقصود. لا يقف النص عند حدود الرصد العاطفي للاغتراب، بل يشيد معماراً لغوياً يتداخل فيه التجريد الرياضي بالنزوع السريالي.  

هوية النص:

تمثل القصيدة ثلاثية وجودية ترصد جدلية الذاكرة والمحو، وتتشكل من ثلاثة محاور رئيسية:

زاوية المكان (الترحال والاغتراب): لا يظهر المكان بوصفه حيزاً جغرافياً مستقراً، بل كفضاء زائر أو محطة عبور تؤجج وعي المغترب بضياعه.

زاوية الزمان (تفكيك اللحظة): يتداخل الماضي والحاضر والمستقبل في النص، حيث يفقد الزمن خطيته الكلاسيكية ويتحول إلى "نقطة صفر" تذوب فيها الفوارق الزمنية.

زاوية الفناء والوجود: تقترب القصيدة من فلسفة العدمية الإيجابية، حيث يصبح "النسيان" وسيلة للتحرر من عبء الذاكرة المثقلة بالخسائر، وتصبح اللحظة فضاءً يلتقي فيه الموت والحياة.

* يتعمد الشاعر بناء حجب دلالية تتطلب قارئاً مشاركاً في إنتاج المعنى، وليس مستهلكاً له.

* تتولد الشاعرية من التضاد المستمر بين الرغبة في التذكر كأداة للبقاء، والنزوع نحو النسيان كأداة للخلاص.

* يتم إخراج الألفاظ من سياقاتها المعجمية الجاهزة إلى سياقات مركبة (مثل ربط الذاكرة بالزوايا الهندسية)، مما يمنح الفكرة التجريدية بعداً مادياً ملموساً.

* تعويضاً عن غياب الوزن والقافية، يستعيض الشاعر بتكرار بعض الحروف، والتوازي التركيبي، والتناغم الصوتي بين الكلمات لخلق موسيقى داخلية هادئة تناسب مناخ النسيان والترقب.

* أما من ناحية التناص والأبعاد النفسية، تعبر القصيدة عن آلية دفاعية  ضد الصدمات الوجودية من خلال النسيان المنظم (المؤطر هندسياً بثلاث زوايا).

* من حيث المضمون يظهر في القصيدة صدى واضح للفلسفة الوجودية (خصوصاً أفكار هايغر وسارتر حول القلق والعدم) لكن بعباءة صوفية حداثية شرقية، تحول المحو الإجباري إلى اختيار شعري واعي.

  عتبة العنوان  

يتأسس العنوان "ثلاث زوايا للنسيان" على إزاحة دلالية حادة. فكلمة "زوايا" تحيل مباشرة إلى الهندسة، الصرامة، التحديد، والإغلاق الفيزيائي، بينما تحيل كلمة "النسيان" إلى التلاشي، الغياب، والانفلات من الأطر.

من خلال هذا المزج، يمنح الشاعر النسيان أبعاداً فيزيائية مجسمة. النسيان هنا ليس غياباً سلبياً للفعل، بل هو فضاء هندسي نشط يتم تسييجه بـ "ثلاث زوايا"، يلتجئ إليها المغترب لإعادة ترتيب فوضى ذاكرته المثقلة بالانكسارات.

ينطلق الشاعر في مستهل نصّه ليعلن صدمة الاغتراب ونفي اليقين المكاني، حيث يقول:

"رحلتَ عندما كان للترحال معنى آخر،

على الرغم من معرفتك بأن السير الأفقي لن يخفف من وطأة الزمكان..

وأنت عند نقطة صفر الانطلاق، عند نقطة تفتيش اللامعنى،

آخر بوابةٍ قبل أن يتيه الاسم."

يبدأ المقطع بضمير المخاطب الحاضر/الغائب (رحلتَ) ليخلق مسافة نقدية بين الذات الشاعرة وذاتها المغتربة. استخدام مصطلح "السير الأفقي" هو إحالة فيزيائية تدل على عبور الحدود الجغرافية المادية، لكن الشاعر يسلب هذا الفعل جدواه بتقريره أنه "لن يخفف من وطأة الزمكان".

تتحول الحدود من خطوط سياسية مرسومة إلى فضاء فلسفي يطلق عليه الشاعر "نقطة تفتيش اللامعنى" و"نقطة صفر الانطلاق". في هذا الحيز، يُجرد الإنسان من امتداده السوسيو-ثقافي وتاريخه، لتصل ذروة المحو في السطر الأخير: "آخر بوابةٍ قبل أن يتيه الاسم"؛ حيث يتحول ضياع الاسم هنا إلى دلالة رمزية صارخة على ذوبان الهوية الأولى وتلاشي الكينونة في عوالم المنافي.

ينتقل النص في مقطعه الثاني إلى تفكيك إحدى أعمق المفارقات الحداثية، معيداً إنتاج الرموز الكونية الكبرى:

"نظرتَ إلى الوراء وهمستَ؛

سلّمتهم أمانةً إلى الماء..

دون أن تعرف أن الماء سيقتل!"

  يمثل "الماء" في الموروث البشري والتقليدي رمزاً للنماء، الطهارة، والولادة الجديدة. لكن الشاعر يكسر هذا الوعي الجمعي بصدمة أسلوبية مبنية على جملة حالية مفارقة: "دون أن تعرف أن الماء سيقتل!".

 هنا قد تحيل الأسطر إلى مأساة العبور الجماعي عبر البحار. استخدام كلمة "أمانة" يضفي بعداً عاطفياً وأخلاقياً مقدساً على العابرين، لكن هذا المقدس يُسحق مادياً تحت وطأة "الموت السائل". النسيان هنا يتجاوز البعد الذهني ليصبح غرقاً في لجة اللاشيء، حيث يتساوى الوجود والعدم، وهو ما يلخصه السطر الفلسفي المكثف: "أن الحياة عند منعطفٍ ما تُسمّى موتًا".

لا تنطلق الصورة الشعرية في "ثلاث زوايا للنسيان" من المحاكاة البسيطة للواقع، بل تتأسس على "الصورة الذهنية المجسدة" و"أنسنة المفاهيم التجريدية"، وهو ما يظهر من خلال الآليات الآتية:

يبرع الشاعر في تحويل المأساة الإنسانية من فكرة عاطفية مجردة إلى مشهد مرئي صادم؛ فحين يربط بين "الأمانة" والماء ثم الموت، فهو لا يصف الغرق كحدث مادي، بل يجسد "الماء" ككائن حي غادر، ويخلق مفارقة بصرية بين السيولة والسكينة الظاهرية للماء، وبين فعل "القتل" العنيف الحاضر في عمق اللجة.

يعتمد الإبداع الصوري هنا على إسناد الأفعال الحركية إلى غير فاعليها الحقيقيين لإنتاج صور سريالية غنية؛ فالمفاهيم مثل "اللامعنى" تُمنح في النص جسداً ومكاناً وثقلاً مادياً عبر تركيب قلق ومبتكر مثل "نقطة تفتيش اللامعنى". تصبح الحدود السياسية والمطارات مجرد مرادفات بصرية لضياع الروح الإنسانية.

يكمن الإبداع في دمج النقيضين في سياق تصويري واحد، مثل صياغة عبارة "بساتين ما قبل الموت". هنا تندمج "البساتين" (بما تحمله من سيميائية الخصوبة والحياة والنماء) مع "الموت" (بما يحمله من دلالات العدم والفناء)، مما يجعل الصورة مشحونة بتوتر درامي عالٍ يضع المتلقي في حالة دهشة ومراجعة ذهنية مستمرة.

  أوجه التميز الفني والخصوصية الأسلوبية:

يتمايز هذا النص عن المتداول السائد في قصائد النثر التي تناولت ثيمة "الغربة والمنافي" بعدة سمات فنية فارقة:

* الهروب من التقريرية والخطابية البكائية: في حين تسقط العديد من النصوص المغتربة في فخ الشكوى المباشرة والبكاء التقليدي على الأطلال المفقودة، يتميز سوران محمد بالترفع عن النحيب العاطفي. إنه يستبدل الشكوى بـ "قناع الفلسفة والفيزياء" (الزمكان، السير الأفقي، الزوايا، نقطة الصفر)، محولاً التجربة الشخصية الذاتية إلى تجربة إنسانية كونية عامة.

* البنية الدائرية المفتوحة: يتميز النص بهندسة معمارية ذكية؛ فهو يبدأ بـ "الرحيل ونقطة صفر الانطلاق"، وينتهي بـ "اختفاء الطرق في مفترق اللامكان". هذا التميز الهيكلي يجعل النص يدور في حلقة مفرغة تشبه تماماً الحالة النفسية للمهاجر الذي يفر من ماضٍ ممحو، ليتيه في حاضر غامض ومستقبل لا ملامح له.

* بلاغة التكثيف الصوتي واللغوي: يمتاز أسلوب الشاعر بالاقتصاد اللغوي الشديد (اللغة المقطرة)؛ فلا توجد زوائد إنشائية أو صفات مجانية. كل كلمة، من "الاسم" إلى "البوابة" إلى "الماء"، تؤدي وظيفة دلالية وإيقاعية محسوبة بدقة، مستعيضة عن الغنائية الكلاسيكية الصاخبة بإيقاع داخلي خافت ووقور يناسب جلال الموت ومحو الذاكرة.

يصل النص إلى ذروته البنائية في المقطع الختامي، حيث تذوب الإجابات وتتعمق حيرة الذات:

"وتختفي الطرق في مفترق اللامكان..

لم تكن مستيقنًا، أالحياة هي الموت؟

أم بساتين ما قبل الموت؟"

يفتتح المقطع بفعل الاختفاء "وتختفي الطرق"، وهو تعبير أسلوبي عن انسداد أفق المستقبل أمام المغترب. فالطرق لا تؤدي إلى غايات، بل تنتهي عند "مفترق اللامكان"، وهو تكريس لفكرة التيه والسيولة.

ينتهي النص بجملة شكّية تبدأ بأداة نفي اليقين "لم تكن مستيقنًا"، متبوعة بأسلوب استفهام إنكاري قائم على التردد الوجودي: "أالحياة هي الموت؟ أم بساتين ما قبل الموت؟". هنا يرفض الشاعر تقديم نهاية حاسمة أو تسوية عاطفية للنص، تاركاً المتلقي في مواجهة السؤال الأنطولوجي الصعب. تصبح الحياة والموت وجهين لعملة واحدة في فضاء النسيان.

النتائج

أثبت النص قدرة الشاعر على توظيف أدوات قصيدة النثر الحداثية عبر هندسة المفاهيم التجريدية (كالنسيان والزوايا) وتحويلها إلى صور مادية ملموسة.

شكلت الجغرافيا في القصيدة عنصراً طارداً ومعادياً للذات، حيث تحولت المحطات والحدود إلى "بوابات لمحو الهوية" وتغييب الاسم.

نجح الشاعر في قلب دلالة رمز "الماء" الكوني، محولاً إياه من منبع للحياة إلى بيئة للموت الغامض، مما يعكس عمق الصدمة الوجودية للمهاجر.

جاءت بنية النص لغوياً ودلالياً متسقة مع مناخ الشك الفلسفي؛ إذ أسهم غياب التقريرية واعتماد الاستفهامات المفتوحة في جعل القصيدة نصاً حراً عصياً على الإنغلاق التأويلي.

  المراجع

1- ثلاث زوايا للنسيان، سوران محمد،جريدة الزمان (العدد 8534)

2- صدمة الحداثة ودراسة في بنيوية القصيدة العربية الحديثة،أدونيس (علي أحمد سعيد)، دار الساقي

2018، ص142

Non-Places: Introduction to an Anthropology of Super modernity, Marc Augé -3

,Verso Books2008 ,77p

   

 


مشاهدات 185
الكاتب محمود مصطفی
أضيف 2026/08/04 - 3:29 PM
آخر تحديث 2026/08/06 - 1:48 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 164 الشهر 5862 الكلي 16095566
الوقت الآن
الخميس 2026/8/6 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير