الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من البيت إلى كربلاء.. شعب يتحوّل إلى موكب خدمة

بواسطة azzaman

من البيت إلى كربلاء.. شعب يتحوّل إلى موكب خدمة

خميس الخزرجي

 

عندما انطلقنا من البيت سيراً على الأقدام مع الزائرين متجهين نحو كربلاء المقدسة، لم نكن نسير في طريق اعتيادي، بل كنا نعيش مشهداً إيمانياً وإنسانياً واسعاً، تتداخل فيه المحبة بالخدمة، والتعب بالطمأنينة، والعطاء بالإيثار.على امتداد الطريق، تتوالى صور تسرّ الناظرين وتدعو إلى التأمل؛ طفل صغير يقف على جانب الطريق ليقدّم الماء والعصائر، وامرأة تعدّ الطعام للزائرين، ورجل مسنّ يصرّ على أن يأخذ بيد العابرين إلى موكبه، وشباب يتسابقون في حمل الأمتعة وتنظيم أماكن الراحة وتقديم ما يستطيعون. ولم تكن الخدمة مقتصرة على فئة معينة، بل شارك فيها الجميع؛ أساتذة جامعات، ومديرون عامون، وموظفون، وطلبة، وكسبة، وشيوخ عشائر، ومتطوعون، ومنتسبو الأجهزة الأمنية. الجميع يضع منصبه وصفته جانباً، ويجتمع تحت عنوان واحد هو خدمة زائري الإمام الحسين عليه السلام.

حركة زائرين

في هذا الطريق لا يُقاس الإنسان بمنصبه أو مكانته، بل بما يقدمه للآخرين. فقد تجد أستاذاً جامعياً يوزع الطعام، أو مسؤولاً يقف في موكب لخدمة المارة، أو ضابطاً ينظم حركة الزائرين، أو شاباً ينظف الطريق ويهيئ مكاناً للراحة والمبيت.

ورغم الحشود المليونية وكثرة السائرين، فإنك لا تكاد تسمع شتيمة، ولا ترى مشاجرة، ولا تشاهد من يتعمد مزاحمة الآخرين أو إثارة المشكلات. الجميع يسير بروح من السكينة والاحترام؛ هذا يسبّح، وذاك يستغفر، وآخر يدعو الله عز وجل، والألسن تردد اسم الحسين وآل البيت عليهم السلام.

أما الطعام، فله حكاية أخرى؛ إذ تقدم المواكب الحسينية للزائرين ما لذّ وطاب من الأسماك والدجاج ولحوم الأغنام والأبقار والجمال، فضلاً عن الفواكه والعصائر والحلويات ومختلف أنواع الأطعمة، وكل ذلك يُقدَّم بمحبة خالصة ومن دون مقابل.

وحتى البيوت تُفتح أبوابها على مصراعيها أمام الزائرين، وقد يمسك صاحب المنزل بيد الزائر ويصرّ عليه أن يدخل ليتناول الطعام أو يستريح أو يبيت عنده، وكأن الناس يتنافسون لا على المكاسب والمصالح، بل على شرف الخدمة ونيل الأجر.

وتتجلى في زيارة الأربعين أبهى صور الكرم الإنساني وأسمى معاني الضيافة؛ إذ لا يقتصر مشهد الخدمة على الزائرين العراقيين فحسب، بل يمتد ليشمل الوفود القادمة من مختلف دول العالم، حتى يكاد الزائر الأجنبي لا يُميَّز عن غيره من شدة ما يلقاه من حفاوة الاستقبال وصدق الضيافة وعمق الاهتمام من أصحاب المواكب الحسينية وأهالي المدن والقرى.

ولا تقف مظاهر الخدمة عند حدود المواكب المنتشرة على الطرق، بل تتجاوزها إلى مبادرات فردية مؤثرة؛ فكم من مواطن يقف قرب مواقف السيارات والكراجات باحثاً عن الزائرين ليأخذهم إلى بيته، وإن كان بعيداً، ليمنحهم الطعام والراحة والمبيت، ويضع بين أيديهم كل ما يستطيع من إمكانات.

ومن المشاهد التي تلامس القلب قيام بعض الأهالي بنقل الزائرين القادمين من دول مختلفة، ثم تقديم مبالغ مالية لهم تعينهم على العودة إلى بلدانهم أو الوصول إلى مقاصدهم، بعد أن علموا أن ظروفهم الاقتصادية لا تسمح لهم بتحمل تكاليف السفر. كما تتعدد صور العطاء بين من يتفقد أحوال الزائرين، ومن يتكفل بنفقاتهم، ومن يبحث عن المحتاج بينهم ليقدم له العون بصمت وكرم لا ينتظر شكراً ولا مقابلاً.

لقد رأينا عائلات تغلق بيوتها في المحافظات العراقية وتتوجه إلى كربلاء، لا طلباً للراحة، بل للمشاركة في خدمة الزائرين وتعزية الإمام الحسين عليه السلام. ورأينا مواكب تنتشر منذ لحظة انطلاق الزائر من بيته، وترافقه على طول الطريق حتى وصوله إلى كربلاء وأدائه الزيارة ثم عودته إلى منزله.

فالطعام والشراب متوافران، وأماكن النوم والراحة موجودة، والخدمات الطبية والأمنية منتشرة، ووسائل النقل تعمل لخدمة الزائرين؛ حتى يستطيع الإنسان أن يغادر منزله، ويصل إلى كربلاء، ويؤدي الزيارة، ثم يعود إلى بيته من دون أن ينفق ديناراً واحداً على الطعام أو الشراب أو المبيت.

خدمة نابضة

إنها مشاهد إنسانية متدفقة يصعب أن نجد لها نظيراً بهذا الاتساع والتنظيم والعفوية في تجمع آخر. ففي زيارة الأربعين يتحول المجتمع بأكمله إلى خلية خدمة نابضة، وتتوحّد الجهود من شمال العراق إلى جنوبه تحت راية الإمام الحسين عليه السلام.

وقد شارك أبناء الأنبار وصلاح الدين والموصل وأربيل والسليمانية ودهوك، إلى جانب أبناء بغداد والفرات الأوسط والمحافظات الجنوبية، في دعم الزيارة وخدمة الزائرين. وشوهدت آليات البلديات القادمة من مختلف المحافظات، ومنها الأنبار وصلاح الدين، وهي تعمل في شوارع كربلاء، كما شارك المسؤولون والموظفون وأبناء العشائر والمتطوعون، كلٌّ من موقعه، في تقديم الخدمات وتأمين احتياجات الزائرين.

وهكذا تجسدت في رحاب الإمام الحسين عليه السلام صور وطنية وإيمانية وإنسانية جامعة، أكدت أن زيارة الأربعين لا تجمع الناس حول مناسبة دينية فحسب، بل تجمع العراقيين بكل محافظاتهم وقومياتهم وانتماءاتهم على قيم المحبة والتكافل وخدمة الإنسان.

إن ما يجري في طريق كربلاء لا يمكن اختصاره في وصف عابر؛ لأنه أكبر من مجرد مسيرة دينية، فهو درس متجدد في الإيثار والكرم والصبر والتعاون. كما أنه دليل على أن الإمام الحسين عليه السلام لم يبقَ اسماً في صفحات التاريخ، بل ظل حاضراً في قلوب الملايين، يحركهم نحو التضحية والعطاء وخدمة الآخرين.

إنها زيارة لا تصفها الكلمات وحدها، بل تُعاش بالمشاعر، وتبقى صورها راسخة في الذاكرة. ومن يمشِ في طريق الحسين مرة، يدرك أن الطريق إلى كربلاء ليس طريقاً بين مدينتين فحسب، بل هو طريق إلى أعمق معاني الإيمان والمحبة والإنسانية.

 


مشاهدات 76
الكاتب خميس الخزرجي
أضيف 2026/08/04 - 3:12 PM
آخر تحديث 2026/08/05 - 9:38 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 135 الشهر 5833 الكلي 16095537
الوقت الآن
الخميس 2026/8/6 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير