الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بين دهاليز المعاملات وظلال المعقبين

بواسطة azzaman

بين دهاليز المعاملات وظلال المعقبين

سيف حسون

 

في رحلة البحث عن إنجاز معاملة رسمية بسيطة، يجد المواطن نفسه مجبراً على خوض غمار تجربة أشبه بالامتحان النفسي الشاق. تبدأ الحكاية من عتبة الدائرة الحكومية، حيث تزدحم الممرات بوجوه مألوفة باتت جزءاً من الهيكل غير الرسمي للمكان؛ إنهم «المعقبون أو السماسرة» الذين يملكون قوى سحرية واختصارات زمنية لا تتوفر للمواطن العادي، مقابل مبالغ مالية يتم الاتفاق عليها مسبقاً تحت بند «تسهيل الأمور».

المفارقة الصادمة تبدأ عندما يقرر المواطن الاعتماد على نفسه، إما لعدم قدرته المادية على دفع هذه الإتاوات المقنعة، أو لإيمانه بأن النظام والقانون يجب أن يطبقا على الجميع بالتساوي. هنا، تتحول المعاملة التي ينجزها المعقب في دقائق معدودة، إلى رحلة ماراثونية تستغرق أياماً أو ربما أسابيع. تسير الأوراق بين الشعب والأقسام ببطء شديد، وكأنها تعاقب صاحبها على رغبته في سلوك الطريق القانوني المستقيم.

في هذه اللحظات، يتسلل إلى نفس المراجع شعور قاسٍ بالمرارة والخذلان؛ شعور يشبه تماماً «اليتم الإداري».

يقف المواطن حائراً بين المكاتب، لا تحكم مصيره لوائح واضحة أو نظام إلكتروني عادل، بل يخضع لـ «المزاجية» و»القيمة الإنسانية» للموظف الذي يجلس خلف المكتب. إن صادف موظفاً يحمل في قلبه رحمة وإنسانية، عطف عليه وأنجز ورقته، وإن صادف آخر فاقداً لروح المسؤولية، واجه الطرد أو التعطيل دون رادع.هذا التباين الحاد في التعامل يطرح تساؤلات جوهرية تبحث عن إجابات:

لماذا يمتلك «المعقب» نفوذاً يسهل له تجاوز الطوابير والتعقيدات، بينما يقف صاحب الحق عاجزاً؟أين تكمن المشكلة؛ هل هي في غياب الرقابة الصارمة، أم في البيروقراطية المتعمدة التي تُخلق خصيصاً لإنعاش سوق التعقيب والوساطات؟إن استمرار هذا الوضع يورث المواطن شعوراً مزمناً بالقهر والإحباط يدوم معه لفترات طويلة حتى بعد إنجاز معاملته.

 فالأمر لم يعد يتعلق بورقة تحتاج إلى توقيع، بل بكرامة إنسان تُهدر في ممرات الدوائر الخدمية.

لقد حان الوقت لكي تلتفت الجهات الرقابية والتنفيذية إلى هذه الظاهرة، والعمل بجدية نحو تفعيل الحوكمة الإلكترونية الحقيقية التي تلغي دور «الوسيط» و»المزاجية البشريّة»، ليعود للمواطن اعتباره، ويشعر بأنه في دولة قانون تحميه، لا في غابة إدارية تتقاذفه فيها المصالح والظروف.

 

 


مشاهدات 40
الكاتب سيف حسون
أضيف 2026/07/27 - 3:06 PM
آخر تحديث 2026/07/28 - 1:50 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 106 الشهر 30269 الكلي 15995395
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/7/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير