رسائل العهد الجديد
محمد كاظم الفاضلي
لم يكن استقبال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لرئيس مجلس الوزراء العراقي علي الزيدي مجرد محطة دبلوماسية اعتيادية، بل جاء بوصفه حدثًا اتصاليًا وسياسيًا حمل رسائل متعددة المستويات (Multi-level Political Communication)، تجاوزت حدود اللقاء الثنائي لتخاطب جمهورًا واسعًا يمتد من الداخل العراقي إلى الإقليم، ومن دوائر الاستثمار العالمية إلى الرأي العام الأمريكي.
وفي هذا النوع من اللقاءات، لا تُقاس أهمية الحدث بمراسم الاستقبال أو تفاصيل البروتوكول، وإنما بما تنتجه الصور والتصريحات والرموز من معانٍ سياسية. فهذه العناصر مجتمعة تشكل ما يعرف في دراسات الإعلام بـ الإطار الإعلامي (Media Framing)، الذي يسهم في تشكيل تصورات الجمهور عن مكانة القادة، ويعيد رسم صورة الدولة في البيئة الإقليمية والدولية.
أولى هذه الرسائل وُجهت إلى الداخل العراقي، حيث حمل اللقاء دلالة واضحة على أن الولايات المتحدة تتعامل مع حكومة الزيدي بوصفها الشريك الرسمي للدولة العراقية، وهو ما يمنح الحكومة بعدًا من الشرعية الدولية، ويعزز موقعها في إدارة الملفات المشتركة، ولا سيما الأمن والطاقة والاستثمار، باعتبار أن استقرار السلطة التنفيذية يمثل شرطًا أساسيًا لاستمرار التعاون بين البلدين.
وفي السياق ذاته، أسهمت لغة الخطاب السياسي، وصور اللقاء، وأجواء الترحيب الرسمية، في ترسيخ صورة رئيس الوزراء باعتباره رجل دولة يحظى بالاحترام على الساحة الدولية. وتمثل هذه الصورة أحد أهم عناصر القوة السياسية، لما تمنحه من رصيد معنوي يمكن أن ينعكس على حضوره في المشهد الداخلي.
كما حمل اللقاء رسالة إلى القوى السياسية العراقية مفادها أن واشنطن تتعامل مع الحكومة الحالية باعتبارها الإطار الدستوري والرسمي لإدارة العلاقات الثنائية، وأن أي تفاهمات مستقبلية بشأن العراق ستتم عبر مؤسسات الدولة، وليس من خلال قنوات موازية. وهذه الرسالة لا تعني بالضرورة تبني الولايات المتحدة لطرف سياسي دون آخر، بقدر ما تؤكد تمسكها بالتعامل مع المؤسسات الرسمية للدولة.
وعلى المستوى الإقليمي، أرسل اللقاء إشارات إلى دول الجوار بأن العراق يستعيد موقعه بوصفه شريكًا قادرًا على أداء أدوار سياسية واقتصادية أكثر فاعلية، وأن واشنطن تنظر إلى بغداد باعتبارها عنصرًا مهمًا في معادلات الاستقرار الإقليمي، فضلاً عن دعمها لانخراط العراق في مشاريع التكامل الاقتصادي الإقليمية.
أما الرسائل الاقتصادية، فقد بدت موجهة بصورة رئيسة إلى الشركات والأسواق العالمية، أكثر من الحكومات نفسها، ومضمونها أن العراق يسعى إلى توفير بيئة أكثر استقرارًا وجاذبية للاستثمار، وأن هذا التوجه يحظى بإسناد سياسي من أعلى مستويات القيادة الأمريكية، وهو ما يعزز ثقة المستثمرين ويشجع على توسيع حضورهم في السوق العراقية.
وفي الداخل الأمريكي، ينسجم هذا اللقاء مع خطاب ترامب القائم على إبراز نجاح سياسته الخارجية في بناء الشراكات بدلاً من خوض الحروب. فمن خلال هذا الظهور، يسعى إلى إقناع الناخب الأمريكي بأن إدارته قادرة على حماية المصالح الأمريكية وتعزيز نفوذها الدولي عبر الدبلوماسية والشراكات الاستراتيجية، بما ينسجم مع توجهات جزء مهم من الرأي العام الأمريكي الذي يفضل تقليل الانخراط العسكري المباشر.
في النهاية، يمكن القول إن لقاء ترامب والزيدي لم يكن مجرد مناسبة بروتوكولية، بل شكل منصة لإنتاج رسائل سياسية وإعلامية متداخلة، استُخدمت فيها أدوات الاتصال السياسي لإعادة تقديم العراق بوصفه شريكًا يحظى بالاهتمام الدولي، ولترسيم ملامح مرحلة جديدة في العلاقات العراقية-الأمريكية، عنوانها الشراكة المؤسسية وتوسيع آفاق التعاون السياسي والاقتصادي.